توقيت القاهرة المحلي 11:33:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أرَى بِجمِيلِ الظَّنّ ما اللهُ صانعُ!

  مصر اليوم -

أرَى بِجمِيلِ الظَّنّ ما اللهُ صانعُ

بقلم:تركي الدخيل

وَإِنِّي لأَرْجُو اللَّهَ حَتَّى كَأَنَّنِي أَرَى بِجَمِيْلِ الظَّنِّ مَا اللَّهُ صَانِعُ

هذا بيتٌ من الشّعرِ يكادُ يُلامِسُ عَنَانَ السَّمَاءِ بِجَمَالِ ألفَاظِه، وَرِقَّةِ مَعانِيه. يُنسَبُ البيتُ غَالباً إلى مُحمد بنُ وُهيبٍ الحِمْيَرِيّ، البَصرِيّ، وهوَ شَاعِرٌ عَبَّاسِيٌّ مَطْبوُعٌ، عَاشَ بِبغدادَ، ومَدَحَ المأمونَ والمُعتصمَ، وعُهِد إليهِ تأديبُ أبنَاءِ الوُزراءِ، وكَانتْ وَفَاتُه نَحوَ عامِ 225هـ (840م). والبيتُ لَا يُعبّرُ فَقَط عن حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ، بلْ يُصَوّرُ حَالَةً مِن الإيمَانِ العَمِيقِ عندَ الشَّاعِرِ، الّذِي يَصِلُ إلى دَرجَةِ اليَقينِ بِاللَّهِ، حَتَّى إنَّ قَائلَهُ مِن يقينِه يَتَخَيَّلُ كَيفَ سَيَكُونُ صَنيعُ اللهِ واستجَابتُهُ لِمَنْ يَرجُوهُ وَيدعُوهُ سُبْحَانَهُ. كَأَنَّ كَلِمَاتِ الشَّاعِرِ انْعكَاسٌ جَلِيٌّ لِتَوجِيهِ النَّبِيّ ﷺ القَائِل: «ادعوا اللهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَة».

لَيسَ الرَّجاءُ هُنَا أُمنِيَّةً بَعيدةَ المَنَال، بل يَقينٌ يَستَقِرُّ فِي قَلْبِ صَاحِبِه، وبِه يَرَى الشَّاعِرُ الإجَابَةَ قبلَ وُقُوعِهَا، وَكَأَنَّ الثّقَةَ بِاللَّهِ تَصْنَعُ صُورَةً حَيَّةً، تَجْعَلُ الانتِظَارَ يَحْمِلُ طَعْمَ اليَقِينِ، الّذِي يَمْلَأ الكِيَانَ بِالطُّمَأنِينَة. وَأَكَّدَ الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ البَيْتِ أنَّه يرجُو اللهَ، تأدُّباً معَ اللهِ، ومِنْ قُوَّةِ الرَّجَاءِ، بَلَغَ يَقِيناً أوْصَلَهُ إلَى ظَنّهِ بِرَبّهِ ظَنّاً جَمِيلًا، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَأَكَّدُ مِن الاستجابَةِ، لَكنَّهُ يَتَرَقَّبُ مُشَاهَدَةَ شَكْلِ تَلبِيةِ اللهِ نِداءَ عَبدِه، وصورةَ استجابتِهِ لِهذهِ الدَّعوَةِ، الصَّادِرةِ عَمَّن يَثِقُ بِرَبّهِ، ويَجزمُ بِعَظِيمِ كَرَمِهِ سُبْحَانَهُ. تَعدَّدتْ نِسبَةُ هذَا البَيتِ في كُتبِ التُّراثِ، مِمَّا يَدُلُّ علَى مَكَانتِهِ الأدَبيَّة. فَقدْ ذَكرَهُ ابنُ عَبدِ رَبِّهِ في «العِقْدِ الفريد» دونَ أنْ ينسُبَه لِقَائِلٍ مُحَدَّدٍ، لَكِنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَحسَنِ مَا قِيلَ فِي الرَّجَاءِ. أمَّا المُبَرِّدُ فَقدْ نسبَهُ في «الكامل» إلَى مُحَمَد بنِ وُهَيب. هَذهِ الحَيْرَةُ فِي نِسبَةِ البَيْتِ تُضيفُ إليهِ سِحْراً خَاصّاً، وَكَأنَّهُ مِنْ تِلكِ الحِكَمِ الّتِي تَفِيضُ مِن القُلُوبِ، فَتَنتقِلُ عَبْرَ الأَجْيَالِ دونَ أنْ تُنسَبَ لِصَاحِبٍ بِعينِهِ. وَجَدتُ مَنْ نَسَبَ البَيتَ مرةً إلَى مِسكِينٍ الدَّارِمِيّ، ومرةً قيلَ إنَّه فِي شِعرِ مُحمَّدِ بنِ حَازِمٍ البَاهِلِيّ، ومَرَّاتٍ عِدَّةً، يُنْسَبُ البَيْتُ بِكُلِّ اعْتِدَادٍ وثِقةٍ إلَى مُحَمَّدٍ بنِ وُهَيْب، مِمَّا يَجْعَلُنِي أَجْزِمُ بِأنَّ البَيْتَ مِنْ شِعْرِه، لَا مِنْ شِعْرِ غَيْرِه، فَالخِلَافُ فِي نِسْبةِ البَيْتِ لَا يَرْتَقِي لِلشَّكِ فِي أنَّ البَيْتَ لابنِ وُهَيْب. هَذَا البَيتُ ليسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ شِعْرِيّ اعتيَادِيّ، بل هوَ دَعوةٌ للتَّأمُّلِ فِي عَلاقَةِ الإنْسَانِ بِرَبِّه. كيفَ يُمكنُ لِحُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ أنْ يَرفَعَ الإنسَانَ فوقَ مَخَاوفِهِ وَأعْبَائِهِ، وَكَيفَ أنَّ الدُّعَاءَ، حِينَ يَصْحبُه الإيمَانُ، يُصبِحُ قُوةً رُوحِيَّةً تُلينُ أصْعَبَ الظُّرُوفِ.

فَي كُلّ مَرَّةٍ يُقرأ فيهَا هذَا البَيتُ، يُصبِحُ رِسَالَةً مُتَجَدّدَةً، تُذَكِّرُ بِدرجَاتٍ رَفِيعَةٍ فِي العَلَاقَةِ بَينَ العَبْدِ ورَبِّه، فِيهَا مِنْ حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ، وَقُوَّةِ اليَقِينِ بِالخَالِق، مَا يَجعَلُ المَخلُوقَ فِي رَاحَةٍ وَطُمَأنِينَةٍ وَبُحبُوحَةٍ بِمَا يَرجُوهُ مِنْ أَكْرَمِ الأكْرَمِينَ.

كَانَ ابْنُ عَائِشَةَ الْقُرَشِيُّ يَقُولُ:

«لَأَنَا بِوِجدَانِ الْكَلَامِ أسَرُّ مِنّي بوجدَانِ ضَالَّةِ النِّعَم، فَإِذا قِيلَ لَهُ: مثلُ مَاذَا؟

قَالَ: مثلُ قَولِ ابْنِ وُهَيْبٍ الْحِمْيَرِيّ:

وَإِنِّي لَأرجُو اللهَ حَتَّى كأنَّنِي أرَى بِجَمِيلِ الظَّنِ مَا اللهُ صَانعُ».

فَمَا أجْمَلَ هذَا البَيْتَ الّذِي يعيدُ إلينَا، وَسطَ تَعقِيدَاتِ الحَيَاةِ، فِكرةً بَسِيطةً وَعَمِيقَةً فِي الوَقْتِ نَفْسِه؛ فَأبْوَابُ السَّمَاءِ مُشْرَعَةٌ لِمَن يَطرُقُهَا بِثِقةٍ، وَحُسْنُ الظَّنِ بِاللَّهِ أعْظَمُ مَفَاتِيحِ أبْوَابِ السَّمَاءِ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أرَى بِجمِيلِ الظَّنّ ما اللهُ صانعُ أرَى بِجمِيلِ الظَّنّ ما اللهُ صانعُ



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt