توقيت القاهرة المحلي 13:54:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

  مصر اليوم -

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ

بقلم:تركي الدخيل

مِن الكُتُبِ الجَديدةِ كِتَابُ الدكتور علي بنِ تميمٍ الّذِي سَمَّاهُ: «عيون العجائبْ فيمَا أوْرَدَهُ أبُو الطَّيبِ من اخترَاعَاتٍ وغرائبْ»، مِنْ مَنشُورَاتِ «مَركَز أبوظبي للغة العربية» فِي دَائرةِ الثَّقافةِ وَالسّياحَةِ الظبيَانِيَّةِ، وَيقعُ فِي 303 صَفَحَاتٍ.

وَالكِتَابُ يَحْمِلُ لَوْحَاتٍ رَسَمَهَا الدُّكتُورُ مَحمود شُوبر، وَقَدَّمَهُ المُؤَلِّفُ بِمُقَدِّمَةٍ عَنْ مَفْهُومِ الاخترَاعِ الشِّعْرِي، فَأشَارَ فِيهَا إلَى شَرْحِ الوَاحِدِي لِدِيوَانِ المُتَنَبّي، وَوُقُوفِهِ عَلَى مَعْنًى تَفَرَّدَ فِيهِ المُتَنَبّي فَوَصَفَهُ بِأنَّه «منِ اختراعاتِ المُتَنَبّي».

ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَرْحِ ديوانِ المُتَنَبّي المُسَمَّى «مُعجز أحمَد»، المَنْسُوبِ نِسْبَةً لَا تَصِحُّ إلَى أبِي العَلَاءِ المَعَرّي، مَعَ أنَّ الدُّكْتُورَ عَلِي نَسَبَهُ إلَى المَعَرِي مِنْ دُونِ إشَارَةٍ إلَى خَطَأ نِسْبَتِهِ لَهُ، وَفِي الكِتَابِ حَدِيثٌ عَنْ مَعْنَى جَاءَ بِهِ شَاعِرُ الدُّنْيَا عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، فَقَالَ الكِتَابُ: «وَهذَا منِ اختراعَاتِ أبِي الطَّيّبِ وَفَرائِدِه». قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ غَفَرَ الله لَهُ: وَعِنْدَ العَامَّةِ فِي الخَلِيجِ العَرَبِي: الخَرْعَةُ بِمَعْنَى الخَوفِ. يَقُولُونَ: اخْتَرَعَ: خَافَ، وخَرَّعْتَنِي: أخفتَنِي، ويُخَرِّعُ: يُخَوِّفُ.

جَاءَ فِي «المُعجَمِ الدّلَالِي بينَ العَامّي وَالفَصِيح»، لِلدُّكتُورِ عبدِ اللهِ الجبورِي، مَا يَلِي:

الاخْتِرَاعُ: الخِيَانَةُ وَالأَخْذُ مِن المَالِ مثل الاخترَاعِ. وَهُوَ كَذَلِكَ الاسْتِهْلَاكُ.

وَفِي الحَدِيث: «إنَّ المُغيَّبة يُنْفَقُ عَليهَا مِنْ مَالِ زوجِهَا مَا لَمْ تَخترعْ مالَهُ». «التكملة».

وَفِي العَرَبِيَّة المُعَاصِرَةِ: الاخْتِرَاعُ هُوَ الاكْتِشَافُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، أيْ: إِيجَادُ شَيءٍ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً مِنْ قَبْل.

وَفِي العَامِيَّةِ: فُلَانٌ خَرَعَ مِنْ كَذَا، إذَا فَزِعَ وَجَفَلَ، وَهَذَا منْ الفَصِيحِ، يُقَالُ: فُلانٌ خَرَعَ إذَا كَانَ ضَعِيفاً جَبَاناً.

وَعِنْدَ الأعْرَابِ، «خَرّاعة خُضْرة» وَهُوَ الخَيَالُ المَنْصُوبُ بينَ الزَّرْعِ لِإِخَافَةِ الطُّيُورِ وَالحَيَوَانَاتِ. وَهُوَ: النُّطَّار، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضاً: المِجْدار. «التَّكمِلَة»، ويقال له أيضاً: «خيال المآتة» و«فَزَّاعَة».

قالَ الجَاحظُ فِي «الحَيوان»، تعليقاً علَى قولِ اللهِ تَعَالَى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ):

بعضُ النَّاسِ قد سوَّى بينَ الذُّبَّان والنَّاس في العَجز، وقالُوا: فقدْ يولِّد النّاسُ من التَّعفين الفَراش، وغير الفراش وَهذَا خلقٌ، علَى قَولِه: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) وعلَى قولِه: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وَعَلَى قَولِ الشَّاعرِ:

وَأرَاكَ تَفرِي مَا خَلقتَ

وبَعْــضُ القومِ يخلقُ ثمّ لا يَفرِيقِيلَ لَهمْ: إنَّمَا أرادَ الاخْتراعَ، وَلَمْ يُردِ التَّقدِير.

وَعَوداً علَى بَدءٍ، فَقدْ أوْرَدَ الدُّكتورُ عَلِي بنُ تَميم فِي «عُيون العجائب»، أربعينَ بيتاً لأبِي الطَّيّب، فيهَا اخْترَاعاتٌ للمتنبي، لمْ يَسبِقْهُ إليهَا أَحَدٌ، مِنهَا قَولُهُ:

أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ

وخَيرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ

وَذكرَ ابنُ تميم، في تعليقِه علَى البَيتِ أنَّ المُتنَبّي «جَمعَ الخَيلَ وَالكتَابَ فِي بَيْتٍ وَاحدٍ، وكثيراً مَا حَرصَ علَى فِعلِ ذَلكَ، كَأنَّه يُريدُ أنْ يقولَ إنَّ علَى الشَّاعِرِ المُثَقَّفِ أنْ يكونَ فَارساً، أوْ كأَنَّ الفُرُوسِيَّةَ هيَ أحَدُ وُجُوهِ الشِّعر وَالثَّقَافَة، أوْ أنَّ الشِّعر هوَ أَحَدُ وُجُوهِ الفُرُوسِيَّةِ، أوْ كَأنَّهمَا وَجْهَاهُ اللَّذانِ يُكمّلَانِ بَعضَهُمَا بَعضاً، وَفِي بيتِهِ الشَّهِيرِ يُؤكّدُ هذَا المَعْنَى:

الخَيلُ وَاللَّيلُ وَالبَيدَاءُ تَعْرِفُنِي

وَالحَرْبُ والطَّعْنُ والقِرْطَاسُ والقَلَمُ

فَيَبدأُ بِالخَيلِ ويُنهِي بِالقَلَمِ، كأَنَّهُمَا وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَة، وَيقولُ أيْضاً فِي بَيتٍ آخَرَ:

أَنَا ابْنُ الفَيَافِي أَنَا ابْنُ القَوافِي

أَنَا ابْنُ السُّرُوجِ أَنَا ابْنُ الرِّعَانِ

فيقولُ أنَا صَاحِبُ الفَلَوَاتِ لِكَثرةِ جَوْبي إِيَّاها بخيلِي، وَصَاحِبُ القَصَائِدِ؛ أُجيدُها وأُبدِعُ فيهَا، وَصَاحِبُ الجِبالِ؛ لِكَثرة سُلُوكي طُرُقَهَا، وَيَقُولُ فِي بيتٍ آخَرَ:

أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ القَوَافِي

وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسُودِ

وَالجَمعُ بينَ الخَيلِ وَالقَوَافِي فِي شِعرِ أبِي الطَّيّبِ واضِحٌ ومُتعدِّدٌ؛ لَكنِّي أعُدُّ أنَّ أجمَلَهُ مَا جَاءَ فِي بيتِنَا؛ حَيثُ يَضعُ كُلَّاً مِنْهُمَا فِي مَكَانةٍ عَالِيَةٍ، فَالسَّرجُ أَعَزُّ مَكَانٍ، وَالكِتَابُ خَيرُ جَلِيسٍ».

وَقَفَاتُ عَلِي بنِ تَميمٍ، مِنَ الجَمَالِ بِمَكَانٍ يَجْعَلُهَا فِي مَنْزِلَةِ العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ، فَاسْتَحَقَّ اسْمُ كِتَابِهِ مُسَمَّاه، فَهُوَ بِحَقٍ: «عُيونُ العَجائب فِي مَا أوْردَهُ أبُو الطَّيِّبِ مِنْ اختراعَاتٍ وَغَرَائِب».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ مَنْزِلَة العُيُونِ بينَ باقِي الأَعْضَاءِ



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا

GMT 14:50 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة

GMT 20:08 2020 الأحد ,28 حزيران / يونيو

روسيا تسجل 6791 إصابة جديدة بفيروس كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt