توقيت القاهرة المحلي 17:26:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب

  مصر اليوم -

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب

بقلم:تركي الدخيل

كانَ هارونُ الرشيدُ يُحِبُّ الأدبَ، وَيَستحسِنُ الشّعرَ، وَيجالِسُ الشُّعراءَ وَالأدَباءَ.

وَمِن ذلكَ كَانَتْ صِلتُهُ بالمُفَضَّل الضَبِّيّ، رَاويةِ الأدَبِ والأخبَار، التي تَرجعُ لمَا قبلَ هَارونَ، فقد لزمَ الضَبِّيُّ، والدَه، الخليفةَ المهديَّ، وصنعَ كتابَ الأشْعارِ المُختَارةِ المُسَمَّاةِ «المفضليَّات»، عندمَا كَانَ ولِيّـاً لعهدِ المَنصور.

و«المُفَضليَّات» أولُ كِتابٍ فِي بابِ الاختيَاراتِ الشّعريَّةِ، وَأضافت لانفرادِ الأولوية، روعةَ الاختيارات، فلذلكَ حافظَ هذَا الكِتابُ علَى قيمتِهِ منذُ تصنيفِهِ قبلَ قرابةِ 1400 عامٍ، حَتَّى اليَوم.

تَتَكوَّنُ «المفضليَّاتُ» مِنْ 130 قصيدةً، مُنتقاةً بذوقٍ وَإحساسٍ وَفنٍّ، منْ رَوائِعِ الشّعرِ العَرَبِي.

ذاتَ أُمسيَّةِ أَدبٍ، قَالَ هَارونُ الرَّشِيدُ للمُفَضَّل: مَا أحسن مَا قيلَ في الذّئبِ؟ وَلَكَ هذَا الخَاتمُ الذِي فِي يَدِي، وَشِراؤُهُ ألفٌ وستمئةِ دِينارٍ.

حدَّدَ الرَّشيدُ الجائزةَ، وكشفَ عن قيمتِها، ليحفّزَ المُفضلَ عَلَى اسْتِحْضَارِ خَيرِ إجَابَةٍ...

وَلا يَحتارُ راويةُ الشّعرِ، وَحافظُ أيَّامِ العَرَبِ، وَأخْبَارِهمْ وأشْعارِهمْ، فِي استخدَامِ ذَاكرتِهِ التِي تُشبهُ مُحرّكَ بَحْثٍ عَتِيدٍ يُوفّرُ لَهُ الجَوَابَ الأَمثَلَ.

فاسْتعانَ بِبيتٍ شِعرِ الشَّاعرِ المُخضرَمِ، حُمَيد بن ثَوْرٍ، وَلَا أَحدٌ يُقارِبُ وَصْفَ ابنِ ثَورٍ.

يَعرفُ العَربيُّ الذّئبَ جَيّداً، وَبينهمَا عَلاقةٌ قلقةٌ، بلْ مُضطَربَةٌ أيضاً.

قَسْوةُ الصَّحرَاءِ كَفيلةٌ بِصِناعةِ عَلَاقاتٍ مُضْطَربةٍ. فهَي تفرضُ علَى سُكَّانِها قانونًا يشبهُ المَثلَ القَائلَ: «إنْ لَمْ تكنْ ذِئباً، أكَلتكَ الذّئابُ».

يَعرفُ العَربيُّ أنَّ الذّئبَ من أخبثِ الحَيواناتِ فِي هَذهِ الصَّحرَاءِ، وَلطَالَمَا دَفعَ لِهذَا الخُبثِ، ثَمنًا غَالياً منْ مَواشِيهِ، إنْ لَمْ يَدفعْ الثَّمنَ منْ جِنسِه!

وَمِنْ خُبثِ الذّئبِ أنَّه إذَا لمْ يتمكَّنْ من الفَتكِ بِفريستِهِ، فإنَّه يبدأ بِالعُواءِ بِأعلَى صوتِهِ فِي لَحنٍ يبدُو فيهِ التَّحسّرُ وَالتَّألُّمُ علَى عدمِ تَحقيقِ غَايتِه! هَذَا العُواءُ ليسَ الهدفُ منه إعلانَ الذّئبِ خَسَارتَه في المَعركةِ، بلْ علَى العَكسِ، فهوَ يُصدرُ نِدَاءاتٍ عاجلةً بأعلَى صَوتِهِ لِلذّئَابِ الأخْرَى يَدعُوهَا لِتقدّمَ لهُ مساندةً فوريةً. وبِمجرَّدِ أَنْ يستمعَ باقِي الذّئابِ عواءَ صَديقِهمْ، فَإنَّهمْ يَتوجّهونَ بأسرعِ مَا يمكنهم تجاه مصدر الصوت، وخلالَ دقائقَ، يتحوَّل فريقُ الذئبِ من ذئبٍ منفردٍ إلى قطيعٍ من الذئابِ حضرتْ للفزعةِ، وسَرعانَ ما سَيهجمُ فريقُ الذئابِ بشكلٍ جَماعيّ، لا يُمَكِّن الطرف الضَّحية من التَّفاعلِ معَ هجماتٍ متعددةٍ، لا هجوم ذئبٍ وَاحد!

وَكمَا يحاولُ الذّئبُ أن يفتكَ بكلِّ فريسةٍ وبأيّ فرصةٍ مُمكنةٍ، فإنَّ الذئبَ يعرفُ أَنَّ هناك خصوماً يريدونَ أن يردُّوا لهُ بعضَ الجِراحِ الغَائرةِ التِي سبَّبها لهمْ، ولذلكَ فَالعَربِي يردّدُ أسطورةً صحراويةً، تقولُ: إنَّ الذّئبَ لِشدَّةِ حذرِه، وكَمالِ استعدادِه، وبالغِ جاهزيتِه، ينامُ مغمضاً إحدَى عينيهِ، وَفاتحاً الأخرَى، حتَّى لَا يَستغلَّ خصمُه نَومَه لِلفتكِ به...

وبيتُ القَصيدِ، ينطلقُ من هذه الخَلفيَّة. قَالَ المُفضّلُ ردًا عَلَى الرَّشِيد:

أَفْضَلُ مَا قيلَ فِي الذّئبِ، قولُ الشَّاعرِ:

يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي

بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهْوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ

قَالَ الرَّشيدُ: ما ألقيَ هذَا علَى لسانِكَ، إلَّا لِذهابِ الخَاتمِ، وألقَى بهِ إلَى المُفضل.

زوجُ الرَّشيدِ، أمُّ جعفرَ، زبيدةُ، كانتْ تشهدُ هذا الحِوارَ. فدفعتْ للمفضَّلِ 1600 دينارٍ فوراً واشترتِ الخاتمَ منه، وقدَّمتهُ لزوجِهَا الرَّشيد، مبررةً ذلكَ بمَا كانتْ تراهُ من إعجَابِ الرَّشيدِ بالخَاتم.

لَقدْ أرَادتْ زبيدةُ، السَّخيةُ التي بلغَ جودُهَا أنْ وَفَّرتْ الماءَ للحجَّاجِ والمعتمرينَ والطائفينَ في مكةَ، بل بلغَ سخاؤُهَا أنَّهَا أمدَّتْ مكةَ المكرَّمةَ بالثَّلجِ الذِي كانَ آنذاكَ أشبهَ بِالمستحِيلاتِ.

وليسَ الرَّشيدُ بأقلَ سخاءً من زوجِه، فألقَى الخَاتمَ إلَى الضَبِّي ثانيةً، وَقَالَ: خُذهُ يَا مُفضّلُ، وخُذِ الدَّنانيرَ، فمَا كُنَّا نَهَبُ هِبةً، وَنَرْجِعُ فِيهَا...

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt