توقيت القاهرة المحلي 15:25:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب

  مصر اليوم -

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب

بقلم:تركي الدخيل

كانَ هارونُ الرشيدُ يُحِبُّ الأدبَ، وَيَستحسِنُ الشّعرَ، وَيجالِسُ الشُّعراءَ وَالأدَباءَ.

وَمِن ذلكَ كَانَتْ صِلتُهُ بالمُفَضَّل الضَبِّيّ، رَاويةِ الأدَبِ والأخبَار، التي تَرجعُ لمَا قبلَ هَارونَ، فقد لزمَ الضَبِّيُّ، والدَه، الخليفةَ المهديَّ، وصنعَ كتابَ الأشْعارِ المُختَارةِ المُسَمَّاةِ «المفضليَّات»، عندمَا كَانَ ولِيّـاً لعهدِ المَنصور.

و«المُفَضليَّات» أولُ كِتابٍ فِي بابِ الاختيَاراتِ الشّعريَّةِ، وَأضافت لانفرادِ الأولوية، روعةَ الاختيارات، فلذلكَ حافظَ هذَا الكِتابُ علَى قيمتِهِ منذُ تصنيفِهِ قبلَ قرابةِ 1400 عامٍ، حَتَّى اليَوم.

تَتَكوَّنُ «المفضليَّاتُ» مِنْ 130 قصيدةً، مُنتقاةً بذوقٍ وَإحساسٍ وَفنٍّ، منْ رَوائِعِ الشّعرِ العَرَبِي.

ذاتَ أُمسيَّةِ أَدبٍ، قَالَ هَارونُ الرَّشِيدُ للمُفَضَّل: مَا أحسن مَا قيلَ في الذّئبِ؟ وَلَكَ هذَا الخَاتمُ الذِي فِي يَدِي، وَشِراؤُهُ ألفٌ وستمئةِ دِينارٍ.

حدَّدَ الرَّشيدُ الجائزةَ، وكشفَ عن قيمتِها، ليحفّزَ المُفضلَ عَلَى اسْتِحْضَارِ خَيرِ إجَابَةٍ...

وَلا يَحتارُ راويةُ الشّعرِ، وَحافظُ أيَّامِ العَرَبِ، وَأخْبَارِهمْ وأشْعارِهمْ، فِي استخدَامِ ذَاكرتِهِ التِي تُشبهُ مُحرّكَ بَحْثٍ عَتِيدٍ يُوفّرُ لَهُ الجَوَابَ الأَمثَلَ.

فاسْتعانَ بِبيتٍ شِعرِ الشَّاعرِ المُخضرَمِ، حُمَيد بن ثَوْرٍ، وَلَا أَحدٌ يُقارِبُ وَصْفَ ابنِ ثَورٍ.

يَعرفُ العَربيُّ الذّئبَ جَيّداً، وَبينهمَا عَلاقةٌ قلقةٌ، بلْ مُضطَربَةٌ أيضاً.

قَسْوةُ الصَّحرَاءِ كَفيلةٌ بِصِناعةِ عَلَاقاتٍ مُضْطَربةٍ. فهَي تفرضُ علَى سُكَّانِها قانونًا يشبهُ المَثلَ القَائلَ: «إنْ لَمْ تكنْ ذِئباً، أكَلتكَ الذّئابُ».

يَعرفُ العَربيُّ أنَّ الذّئبَ من أخبثِ الحَيواناتِ فِي هَذهِ الصَّحرَاءِ، وَلطَالَمَا دَفعَ لِهذَا الخُبثِ، ثَمنًا غَالياً منْ مَواشِيهِ، إنْ لَمْ يَدفعْ الثَّمنَ منْ جِنسِه!

وَمِنْ خُبثِ الذّئبِ أنَّه إذَا لمْ يتمكَّنْ من الفَتكِ بِفريستِهِ، فإنَّه يبدأ بِالعُواءِ بِأعلَى صوتِهِ فِي لَحنٍ يبدُو فيهِ التَّحسّرُ وَالتَّألُّمُ علَى عدمِ تَحقيقِ غَايتِه! هَذَا العُواءُ ليسَ الهدفُ منه إعلانَ الذّئبِ خَسَارتَه في المَعركةِ، بلْ علَى العَكسِ، فهوَ يُصدرُ نِدَاءاتٍ عاجلةً بأعلَى صَوتِهِ لِلذّئَابِ الأخْرَى يَدعُوهَا لِتقدّمَ لهُ مساندةً فوريةً. وبِمجرَّدِ أَنْ يستمعَ باقِي الذّئابِ عواءَ صَديقِهمْ، فَإنَّهمْ يَتوجّهونَ بأسرعِ مَا يمكنهم تجاه مصدر الصوت، وخلالَ دقائقَ، يتحوَّل فريقُ الذئبِ من ذئبٍ منفردٍ إلى قطيعٍ من الذئابِ حضرتْ للفزعةِ، وسَرعانَ ما سَيهجمُ فريقُ الذئابِ بشكلٍ جَماعيّ، لا يُمَكِّن الطرف الضَّحية من التَّفاعلِ معَ هجماتٍ متعددةٍ، لا هجوم ذئبٍ وَاحد!

وَكمَا يحاولُ الذّئبُ أن يفتكَ بكلِّ فريسةٍ وبأيّ فرصةٍ مُمكنةٍ، فإنَّ الذئبَ يعرفُ أَنَّ هناك خصوماً يريدونَ أن يردُّوا لهُ بعضَ الجِراحِ الغَائرةِ التِي سبَّبها لهمْ، ولذلكَ فَالعَربِي يردّدُ أسطورةً صحراويةً، تقولُ: إنَّ الذّئبَ لِشدَّةِ حذرِه، وكَمالِ استعدادِه، وبالغِ جاهزيتِه، ينامُ مغمضاً إحدَى عينيهِ، وَفاتحاً الأخرَى، حتَّى لَا يَستغلَّ خصمُه نَومَه لِلفتكِ به...

وبيتُ القَصيدِ، ينطلقُ من هذه الخَلفيَّة. قَالَ المُفضّلُ ردًا عَلَى الرَّشِيد:

أَفْضَلُ مَا قيلَ فِي الذّئبِ، قولُ الشَّاعرِ:

يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي

بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهْوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ

قَالَ الرَّشيدُ: ما ألقيَ هذَا علَى لسانِكَ، إلَّا لِذهابِ الخَاتمِ، وألقَى بهِ إلَى المُفضل.

زوجُ الرَّشيدِ، أمُّ جعفرَ، زبيدةُ، كانتْ تشهدُ هذا الحِوارَ. فدفعتْ للمفضَّلِ 1600 دينارٍ فوراً واشترتِ الخاتمَ منه، وقدَّمتهُ لزوجِهَا الرَّشيد، مبررةً ذلكَ بمَا كانتْ تراهُ من إعجَابِ الرَّشيدِ بالخَاتم.

لَقدْ أرَادتْ زبيدةُ، السَّخيةُ التي بلغَ جودُهَا أنْ وَفَّرتْ الماءَ للحجَّاجِ والمعتمرينَ والطائفينَ في مكةَ، بل بلغَ سخاؤُهَا أنَّهَا أمدَّتْ مكةَ المكرَّمةَ بالثَّلجِ الذِي كانَ آنذاكَ أشبهَ بِالمستحِيلاتِ.

وليسَ الرَّشيدُ بأقلَ سخاءً من زوجِه، فألقَى الخَاتمَ إلَى الضَبِّي ثانيةً، وَقَالَ: خُذهُ يَا مُفضّلُ، وخُذِ الدَّنانيرَ، فمَا كُنَّا نَهَبُ هِبةً، وَنَرْجِعُ فِيهَا...

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب إذَا لمْ تكنْ ذئباً أَكَلتْكَ الذّئَاب



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt