توقيت القاهرة المحلي 22:41:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ

  مصر اليوم -

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ

بقلم:تركي الدخيل

هَذَا بَيْتُ شِعْرٍ، قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ أَعْظَمُ بَيْتٍ فِي «الهَيْبَة». وَذُكِرَ أَنَّهُ أَجْمَلُ مَا قِيلَ فِي الحَيَاءِ.

وَهوَ مِنْ أَجْمَلِ أَبْيَاتِ المَدِيحِ فِي الشَّعْرِ العَرَبِي، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ، فِي مَمْدُوحِهِ:

يُغْضِـي حَيَـاءً وَيُغْضَـى مِـنْ مَهَابَتِـهِ فَمَـا يُكَـلَّـمُ إِلَّا حِيـنَ يَبْتَسِـمُ

قوله: يُغضِي: مَنْ أَغْضَى يُغْضِي إِغْضَاءً. وَالإغْضَاءُ: هُوَ إِدْنَاءُ جُفُونِ العَيْنَيْنِ مِنْ بَعْضِهِمَا بَعْضاً، وَهُوَ دُونَ إِطْبَاقِ الجَفْنَيْنِ، بِإِغْمَاضِ العَيْنِ كُلِّهَا، وَإِغْلَاقِهَا تَمَاماً.

وَيُغْضِي: بِالمَبْنِي لِلْمَعْلُومِ، يُرَادُ بِهِ أَنَّ المَمْدُوحَ يُغْضِي جُفُونَهُ، حَتَّى يَكَاد يُغْلِقُ عَيْنَهُ.

وَإِغْضَاءُ الجُفُونِ، تَعْبِيرٌ بَدَنِيٌّ أَصِيلٌ عَنِ الحَيَاءِ، ذَلِكَ أَنَّ العُيُونَ تَفْضَحُ صَاحِبَهَا، وتُظْهِرُ بِطَبِيعَةِ حَرَكَتِهَا، وَبِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَكْلُهَا، مَوْقِفَ المَرْءِ مِنَ الحَدَثِ، أَوِ الحَدِيثِ، أَوِ الآخَر. وَسَبَبُ إِغْضَاءِ المَمَدُوحِ جُفُونَهُ، مَا بِهِ مِنْ حَيَاء.

وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيق العِيد، تَعْرِيفًا جَمِيلًا لِلْحَيَاءِ، يُؤَكِدُ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، فَقَالَ:

«وَالْحَيَاءُ»: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ، مِنْ تَخَوُّفِ مَا يُعَاتَبُ بِهِ، أَوْ يُذَمُّ عَلَيْهِ. وَإِغْضَاءُ الجُفُونِ، تَجْسِيدٌ لِهَذَا التَّغَيُّرِ وَالانْكِسَارِ، الوَارِدِ فِي التَّعْرِيف.

وَيُغْضَـى: بِالبِنَاءِ لِلمَجْهُولِ، وَالتَّقْدِيرُ أنَّ الآخَرِينَ الذِينَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ المَمْدُوحِ بِأَصْنَافِهِمْ، يَغُضٌّونَ جُفُونَهُمْ، لَا حَيَاءً هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِمَا يَجِدُونَ فِي المَمَدُوحِ مِنَ المَهَابَةِ التِي تَجْعَلُهُمْ يُوشِكُونَ عَلَى إِغْمَاضِ عُيُونِهِمْ (مِنْ مَهَابَتِهِ): أيْ مِنْ أَجْلِ مَهَابَتِهِ.

وَ(الْمَهَابَةُ): هي الْهَيْبَةُ: والْمَهَابَةُ: هِيَ الْإِجْلَالُ وَالْمَخَافَةُ والتَّعْظِيمُ.

وَمِنَ العَجِيبِ أنَّ الشَّاعِرَ اسْتَخْدَمَ فِي شَطْرِ البَيْتِ الإِغْضَاءَ مَرَّتَينِ، لَكِنَّه جَعَلَ سَبَبَ إغْضَاءِ الجُفُونِ وَمَا قَبْلَ إِطْبَاقِ العُيُونِ، عِندَ المَمدُوحِ حياءَه، وإغضاءِ الجُفونِ عندَ الآخرينَ - الذِينَ لَمْ يُسَمّهِمْ صَرَاحَةً لَكنَّه قَصَدَ كُلَّ مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَ المَمْدُوحِ مِنَ النَّاسِ- تَهَيُّبَ المَمْدُوحِ، وَيُمْكِنُنَا القَولُ أنَّ سَبَبَ إِطْبَاقِ الجُفُونِ «الثَّانِي» هُوَ الخَوْفُ.

ثُمَّ ابْتدَأ الشَّاعِرُ الشَّطْرَ الثَّانِيَ مِنَ البَيْتِ بِمُوَاصَلَةِ حَدِيثِ مَهَابَتِهِ مِنَ الآخَرِينَ، وَهَذِهِ الهَيْبَةُ هِيَ الّتِي تَجْعَلُهُمْ يَحْجُمُونَ وَيَحْشَمُونَ عَنْ تَكْلِيمِهِ فِي الأَحْوَالِ العَادِيَّةِ، لَكِنَّهُ إِذَا افْتَرَ ثَغْرَهُ عَنْ بَسْمَتِهِ، الّتِي يَقْرَأُهَا النَّاسُ انْشِرَاحاً وَارْتِيَاحاً لَدَى المَمَدُوحِ، وَحَالَةِ ارْتِيَاحِهِ وَسُرُورِهِ وَحُبُورِهِ، فهِيَ الاسْتِثْنَاءُ الوَحِيد الّذِي يُكَلَّمُ فِيهِ المَمَدُوحُ الحَيِيُّ المَهْيُوب.

وَلَاحِظْ أَنَّ الشَّاعِرَ اسْتَخْدَمَ لَفْظَةَ يُكَلَّم: بِالبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَهَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الثَّانِيَةُ الّتِي يُعبّرُ فِيهَا الشَّاعِرُ عَنْ فِعْلِ الآخَرِينَ تُجَاهَ المَمْدُوحِ بِالبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَيبدُو أنَّهُ أرَادَ أنْ يقولَ لنَا: المَعلُومُ المَعرُوفُ طَرَفٌ وَاحدٌ بِسَجايَاهُ الحَمِيدَةِ، مثلُ إِغضَائِهِ وَحَيَائِهِ وَتَبَسُّطِهِ وَابتسَامِهِ وَأُنْسِهِ وَإينَاسِهِ وَهَيْبَتِهِ، وَكُلُّ مَنْ سِوَاهُ مَجْهُولٌ: يُغضَى ويُكَلَّم.

وَحِينَ يَنبسِطُ ويُسَرُّ تُحقَّقٌ طَلبَاتُ الآخَرِينَ فَمَنْ جَاوَرَ السَّعِيدَ سَعُدَ، وَمَنْ أَدْرَكَ تَبَسُّمَ المَمْدُوحِ اهْتَبَلَ فُرْصَةَ ارْتِخَائِهِ وَكَلَّمَهُ...

مَنَ هُوَ شَاعِرُ البَيْت؟! ثَمَّةَ خِلَافٌ فِي نِسْبَةِ البَيْتِ لِشَاعِرِهِ.

فَمِنْ قَائِلٍ أنَّ البَيتَ لِلْفَرَزْدَق، مِنْ قَصِيدَةٍ شَهِيرَةٍ، يَمدَحُ فِيهَا زَيْنَ العَابِدِينَ، عَلِيَّ بنَ الحُسَين (ت 94 هـ)، وَهُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلمُ.

وَهُنَاكَ مَنْ يَنسِبُ البَيتَ لِلْحَزِينِ الكِنَانِيّ، الشَّاعِرِ الأُمَوِيّ، وَاسْمُهُ عَمْرو بنُ عَبْدِ وَهَب.

حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: إِنَّهُ سَيَأْتِي بِالْمَدِينَةِ الْحَزِينُ الشَّاعِرُ، وَهُوَ ذَرِبُ اللِّسَانِ، فَإِيَّاكَ أَنَّ تَحْتَجِبَ عَنْهُ، وَأرْضِهِ.

فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَرَأَى جَمَالَهُ، وَفِي يَدَهِ قَضِيبُ خَيْزُرَانٍ، وَقَفَ سَاكِتًا...

فَأَمْهَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرَاحَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: السَّلامُ رَحِمَكَ اللَّهُ أَوَّلَا..

فقَالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ، وَجْهُ الأَمِيرِ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَدَحْتُكَ بِشِعْرٍ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْكَ وَرَأَيْتُ جَمَالَكَ وَبَهَاءَكَ، رَهِبْتُكَ، فَأُنْسِيتُ مَا قُلْتُ، وَقَدْ قُلْتُ فِي مَقَامِي هَذَا بَيْتَيْنِ.

قَالَ: مَا هُمَا؟ قَالَ:

فِـي كَـفِّــهِ خَـيْـزُرانٌ رِيـحُـهَـا عَـبِـقٌ مِـنْ كَـفِّ أَرْوَعَ فِي عِـرْنِـيـنِهِ شَمَمُ

يُغْضِي حَيَـاءً وَيُغْضَى مِـنْ مَـهَـابَـتِـهِ فَـلَا يُــكَـلَّـمُ إِلَّا حِـيـنَ يَــبْـتَـسِـمُ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ



GMT 22:24 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

مرحلة

GMT 22:21 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

الحوثي... الآن هنا

GMT 22:19 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

«ريد فلاج».. الاستظراف «علامة خطر»!

GMT 22:17 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

إطلالة سياسة في قمة الإعلام

GMT 22:14 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

التصويت على الحرب!

GMT 21:53 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

بيع محتمل

GMT 21:51 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

حفلة أصالة

GMT 21:49 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

قبل الفواتير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt