توقيت القاهرة المحلي 13:58:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الساخرون من مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ

  مصر اليوم -

الساخرون من مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ

بقلم : تركي الدخيل

إِنْ تَعجَب فعَجَبٌ مَا نَرَاهُ مِنْ سُخْرِيةِ أَبْنَاءِ عَصْرٍ مُتأَخِرٍ، مِنْ أَهْلِ عَصْرٍ قَبْلَهُمْ، لأَنَّهُمْ يَتَعَاطُونَ فِي آدَابِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، وَفْقَ مَا يَعْرِفُونَ مِنِ اكْتِشَافَات!

أَحَدُهُمْ سَخِرَ بِجَفاءٍ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ، عِنْدَمَا قَالَ يَمْدَحُ فَرَسَهُ:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا

كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّـيـلُ مِنْ عَلِ

وَتَنَدَّرَ عَلَى الشَّاعِرِ، الّذِي رَأَى أَنَّهُ انْغَمَسَ مُحَاوِلًا تَصْوِيرَ السُّرْعَة، وَلَم يَكُنْ يَعْرِفُ بِسُرْعَةِ الضَّوْء!

وَمَعَ أنَّ التَّنَدُّرَ الّذِي يَعْكِسُ شَكْلًا مِنْ أشْكَالِ الغُرُورِ، وَصُورَةً جلِيَّةً مِنْ صُوَرِ الكِبْرِ وَالتَّغَطْرُسِ، لَا مُبَرِّرَ لهُ، إِلَّا أَنَّنَا يُمْكِنُ أنْ نَتَفَهَّمَ هَذِه السُّخْرِيَةَ البَارِدَةَ، لَوْ أَنَّ السَّاخِرَ الكَبٍيرَ، كَانَ هُوَ الّذِي اكْتَشَفَ سُرْعَةَ الضَّوْء!

أحسبُ أنَّنا إذا مارسْنَا هذا السُّلوكَ، فإنَّنا نصبحُ عالةً علَى العُلومِ ونحنُ نسطّحُهَا إذْ لَا نَحصدُ ثمرةَ العِلمِ الحقيقيةَ، وَهِيَ التَّواضُع، بل نَتَشبَّعُ بِضِدّهَا مِنَ التَّكَبُّر!

حَدَّثتُ صَديقًا بالقِصَّةِ الآنفةِ منْ بَابِ بَثّ الشَّكوَى، فَلفَتَ نَظرِي إلَى فِكرةٍ وَجِيهةٍ، لَمْ أَنْتَبِهْ لهَا!

قالَ لَا عَدِمنَا لَفتَاتِه: «لا أَحسَبُ صَاحبكَ يسخَرُ انْطلاقًا من اسْتهَانةٍ وَتَحقيرٍ لِمنْ يَسخَرُ منهمْ، إِنَّمَا دَفعَه لِمَسلِكهِ البَائسِ، أَنَّهُ لَمْ يفهَمْ بيتَ امرئِ القَيس، فقرَّرَ السُّخْريَةَ مِنه، وكَأَنَّهُ استوعبَ مَعناهُ لَكنَّهُ لمْ يقتنعْ بِه، والأقربُ أنَّ الاستهزاءَ حيلةٌ نفسيَّةٌ يَستخدمُهَا للقفزِ علَى عَدمِ الفَهم، ومَا أقربَ أَن تكونَ هذهِ الحيلةُ النفسيةُ مُوجهةً لنفسِه لَا لِغيرِه، إذْ يحاولُ عَقلُهُ البَاطِنُ أَنْ يُسَوِّغَ لنفسِه، بالاستهزاءِ، تركَ التَّعلُّمِ وَالبَحثِ وَالسُّؤالِ لِردْمِ فَجَواتِ عَدَمِ المَعْرِفَة»!

الحَقّ أنِّي سَرحتُ وَأنَا أحَاولُ لَمْلَمَةَ الفِكْرَةِ، بُغيةَ اسْتِيعَابِهَا، وَالصَّحِيحُ أنِّي كُنتُ أحاولُ اسْتجْمَاعَ تَركِيزِي، وَفَتحَ ذِهْنِي، لِأكونَ أكثَرَ جَاهِزيةً لالْتِقَاطِ الفِكْرَة...

امْرؤُ القَيسِ عِندَمَا يَقولُ عَنْ فَرَسِهِ إِنَّهُ، مِكَرٍّ مِفَـرٍّ: فإِنَّهُ يَصِفُ الفَرَسَ المُؤَدَّبَ الطَيِّعَ، إِذا أَرَدْتَ كَرَّ، وَإِنْ رَغِبْتَ فَرَّ.

إِنَّهُ جَاهزٌ لِفِعلَينِ مُتَعَاكِسَيْنِ، لَا تَتَحقَّقُ فِيهِمَا سُرْعَةُ الضَّوْء، فَهِيَ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ فَقَط، إِلَّا أَنْ تَتَعَلَّمَ سُرْعَةَ الضَّوْءِ مِنْ فَرَسِ امْرِئِ القَيْس!

يقولُ: هذَا الفَرًسُ مُقبِلٌ إذا أردتَ إقبالًا، ومُدبِرٌ إذا شِئتَ إدْبارًا.

وذَكَرَ الأفعال وهي في اتجاهات أربعة متضادة.

وَتَعَمَّدُ أنْ يَصفَ الفرسَ بأَنَّه يفعلُ فِعلينِ مُتعاكسينِ، وَقَصدَ أن يُلحِقَ حَديثَه عَنِ الفِعْلَينِ، بِتَأكيدِ أنَّ الفَرَسَ يفعلهما (معًا)! ولا أدري هل تعَمَّدَ ذَلِكَ نكاية بسرعة الضوء، رغم جهله بها؟!

إنّ (مِكَرّ مِفَرّ) بِكسرِ المِيمِ علَى وَزن: مِفعَل، عادةَّ ما يكونُ لِلمُبَالَغَة.

مثلَ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ...».

المِسْعَر: الحَديدةُ التي تُحَرَّكُ بها النَّار لإشْعالِهَا. والتَّسعيرُ اشْتقاقًا من السَّعير، وَهيَ النَّارُ شَديدةُ الاشْتِعَال، وَالمِسعرُ من يُسَعِّر النَّارَ بإذْكَائهَا.

مِسعَرُ الحَربِ، هُوَ الّذِي يُسًعِّرُهَا، وَهُنَا مُبَالغَةٌ بِتَشْبِيهِ تَسْعِيرِ الحَرْب، وَهوَ مَا يَكُونُ بِالكَلَامِ، بِتَسْعِيرِ النَّار، وَيَكونُ بِالإحْرَاقِ وَالإشْعَال.

بيتُ امْرئِ القيسِ صُنِّف مِن (الاتْسَاع)، وَهوَ «أن يقولَ الشَّاعرُ بيتًا يتَّسِعُ فيهِ التَّأوِيلُ؛ فَيأتِي كلُّ وَاحِدٍ بِمعنَى، وإنَّمَا يقعُ ذلكَ لاحْتمَالِ اللَّفْظ، وَقُوَّتِه، وَاتْسَاعِ المَعنَى. مِنْ ذلكَ قَولُ امْرئِ القَيْس:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا

كَجُـلْمُـوْدِ صَخْرٍ حَطَّـهُ السَّـيـلُ مِـنْ عَـلِ

فَإنَّما أرادَ أنَّه يَصلُحُ للكَرّ والفَرّ، ويحسنُ مُقبِلًا مُدبِرًا. ثمَّ قالَ «معًا» أي: جميع ذلكَ فيه...

قالَ بعضُ من فسَّره مِن المحدثينَ: إنَّمَا أرادَ الإفراطَ، فزعمَ أنَّه يرَى مقبلًا ومدبرًا في حالٍ وَاحدةٍ عندَ الكَرّ وَالفَرّ لِشِدَّةِ سُرعَتِه، واعترضَ علَى نفسِه، واحتَجَّ بما يوجد عيانًا؛ فمَثَّلَه بالجلمودِ المنحدرِ من قنةِ الجبلِ، فإنَّك ترَى ظهرَه في النصبة على الحال التي ترى، فيها بطنَه وهو مقبلٌ إليك، ولعلَّ هذا ما مرَّ قط ببالِ امرئِ القيس، ولا خطرَ في وهمِه، ولا وقعَ في خَلدِه، ولا روعِه»!

ربَّما لم يخطرْ بذهنِ امرئِ القيس أنَّ حال نصبة ظهر الجلمود المنهمر من قمةٍ جبليَّةٍ هي نصبةُ بطنِه ذاتُها...

لكِنَّ الأكيد، أَنَّهُ لَم يتوَقَع بحالٍ من الأحوال، أن ينافسَ فرسه، عالم الفلك الدنماركي أولريش رومر، مكتشف سرعة الضوء عام 1676م!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الساخرون من مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ الساخرون من مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt