توقيت القاهرة المحلي 23:29:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التاريخ والفكر: سوريا بين تزويرين

  مصر اليوم -

التاريخ والفكر سوريا بين تزويرين

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

 

لا يجادل عاقلٌ فضلاً عن سياسيٍ أو مثقفٍ في أن تزوير التاريخ واحدٌ من أسس بلاء الأمم وأسباب انحدارها وتخلفها، وتزوير التاريخ له معانٍ متعددةٍ: منها الكذب الصراح المبني على الخرافة والآيديولوجيا والميثولوجيا، ومنها المقولة المشهورة: إن التاريخ يكتبه المنتصر، بمعنى أنه يزوّره ليكون كما يحب، ومنها المقولة المعاكسة التي تركز على الهوامش لا المتن في تواريخ الدول والشعوب والمجتمعات.

في منطقتنا جرت محاولات كثيرةٌ لاستخدام الأسماء الغربية في تسمية الأحزاب والجماعات، وتوظيف المفاهيم الغربية التي تستخدم للتوصيف والتحليل، وقد تم استخدام عشرات المفاهيم الغربية في فتراتٍ متباعدةٍ ومن أطرافٍ متناقضةٍ، ولكن بمعان لا تطابق الأصل وإن اختلفت تلك الأطراف في طرق التزوير وإعادة بناء المفاهيم مجدداً، وهذا تضليل.

حزب البعث الحاكم في سوريا منذ أكثر من خمسة عقودٍ تحوّل عبر مسيرته الطويلة إلى حزب الطائفة والأقلية، الديكتاتوري الشرس، وقد أفرغ هذا التحول «حزب البعث» من اسمه الأصلي ومن المعنى الذي بني عليه في الأساس، ولم يتبق منه عبر عقودٍ إلا أسماء جزئية ومفاهيم عائمة من القومية العربية والقطر السوري، وذلك قبل أن يتحول إلى حكم العائلة المعتمد على «توحش الأقليات»، وأصبح حكم حزب البعث عائلياً وراثياً على طريقة «الجملوكية» أو الجمهوريات الملكية، التي لم تأخذ شيئاً من عظمة الملكيات إلا توريث أبناء العسكر الحكم، وهذا تزوير للفكر مع تزوير التاريخ.

أنظمة الحكم تصنع معارضتها، ومثل ما صنع «حزب البعث» في سوريا صنعت بعض الأحزاب في الدول العربية، وهي معروفة بأسمائها وغاياتها.

ويصح هذا وأكثر في المفاهيم الأكثر انتشاراً مثل «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الحريات»، وكما صنع الأسد بها على مدى عقودٍ صنعت مثله «جماعة الإخوان المسلمين» والجماعات الأصولية، وكان أوضح مثالٍ على ذلك فترة حكم الجماعة في مصر بعد 2011، حيث اتضح أنها قد رفعت هذه المفاهيم لخداع الرأي العام الغربي بها لا أقل ولا أكثر، وقامت بعمليات تفسيرٍ حزبيةٍ فصّلتها لخدمة الجماعة، وتمت عمليةٌ كبرى لتزوير التاريخ وتزوير الفكر.

«نهاية الصحوة» خرافةٌ فكريةٌ انتشرت في السنوات الماضية، ثم تبيّن عوارها، وأن كل أحداث العالم ووقائعه تدل على تهافتها واقعياً وعلمياً وفكرياً، ومع الفرح الغامر بسقوط واحد من أبشع الأنظمة الديكتاتورية في العالم بأسره في القرن الأخير، يجب ألا ينسى المفكرون والباحثون والكتّاب خطورة القادم في المستقبل بناء على ثقافتهم ومعرفتهم ووعيهم وتحليلهم، لأن ذلك يمنح صانع القرار والمتابع المهتم زوايا أوسع للرؤية والتحليل.

طبيعة السياسي الانتظار والتريث وحسابات المصالح في المواقف والقرارات، وهذا ليس شأن الباحث والكاتب الذي هو على العكس من السياسي، يعبر عن رأيه بالأدلة والبراهين التي يمتلكها، فإن أصاب رفع رصيده لدى قرائه كباراً وصغاراً، وإن أخطأ تحمل خطأه وحده، لأنه إنما يعبر عن رأيه الشخصي، وهذا ما جرى على طول التاريخ وعرض الجغرافيا إلا في لحظات استثنائية في تاريخ البشرية، وفي التاريخ الحديث مع النازية والفاشية والبلشفية.

«الأولويات الأصولية» أخذت تطلّ برأسها مجدداً في سوريا، أفكاراً ومفاهيم، خطباً في الجامع الأموي وغيره، وخطاباتٍ سياسيةً وإعلاميةً وثقافيةً وفلسفية، ولئن بدأت وسائل الإعلام في التركيز على مظاهر عامةٍ وشكليات اجتماعية مثل حجاب المرأة والموقف من المشروبات الروحية أو الغناء ونحوه، فإن المشكلة أعمق من هذا بكثيرٍ وأشد خطراً على المستويات كافة.

ثلاثة صناديق ينبغي التركيز عليها في هذه المرحلة لفهم المشهد، صندوق الاقتراع المدعوم شكلياً من الدول الغربية، الذي احترفت كل الدول والجماعات الأصولية المعاصرة في التلاعب به بالتوافق مع داعميه الغربيين، وصندوق الرأس حيث تمّ التلاعب به على مدى عقودٍ من الزمن دينياً وسياسياً وثقافياً وتعليمياً، وصندوق القلب حيث تهييج العواطف واستغلال المصائب والكوارث، وهي ثلاثة صناديق تعمل في سوريا اليوم على قدمٍ وساقٍ.

أخيراً، فلفهم ما جرى وما يجري وما سيجري مستقبلاً ينبغي للمهتم، من باحثٍ ودبلوماسيٍ وكاتبٍ، أن يعيد تثقيف نفسه بالتاريخ الحديث والمعاصر، بأسماء لأشخاصٍ وجماعاتٍ ومفاهيم دينية وسياسيةٍ واجتماعية وفلسفية، أسماء مثل «أبو قتادة الفلسطيني» و«أبو محمد المقدسي» و«أبو مصعب السوري» و«أبو بصير الطرطوسي»، وأمثالهم كثير، وكذلك «جماعة الإخوان المسلمين»، و«جماعة السرورية»، وكذلك كيف يتم التلاعب بمفاهيم حديثة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التاريخ والفكر سوريا بين تزويرين التاريخ والفكر سوريا بين تزويرين



GMT 09:57 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الحلُّ عندكم

GMT 09:55 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

GMT 09:53 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عراقجي لزيلينسكي: لو غيرك قالها!

GMT 09:52 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

GMT 09:50 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

GMT 09:48 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

هل تُضعف أميركا نفسها؟

GMT 09:46 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

النظام العالمي و«حلف القوى المتوسطة»

GMT 09:44 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

مجلس الإمبراطور ترامب

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 14:21 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر
  مصر اليوم - ياسمين صبري تستكمل فيلم نصيب عقب عيد الفطر

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt