توقيت القاهرة المحلي 15:17:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

  مصر اليوم -

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

بقلم : سام منسى

تتعالَى دعواتٌ سياسية وأكاديمية وإعلامية إلى استئناف التفاوض الأميركي - الإيراني، وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار وحماية منشآت الطاقة وممرات الملاحة الدولية، مقترحة مساراً منفصلاً مع الحوثيين، انطلاقاً من الادعاء بأنهم يتمتعون بهامش من الاستقلالية عن طهران، على أن تشجع واشنطن تسوية يمنية تتيح مشاركتهم السياسية ومنحهم بعض المنافع الاقتصادية. لهذه الدعوات منطق يستحق المناقشة، لكن اختبارها يتوقف على قدرتها على منع تجدد الحرب، لا على وقفها فحسب.

ينطلق أصحاب هذه الدعوات من تكلفة الحرب على السكان والاقتصادات وأمن الطاقة والملاحة، ومن أن الضغطين العسكري والاقتصادي لم يحققا انهيار النظام الإيراني أو استسلامه، وأن قدرته على الاحتمال وموارده وعلاقاته الخارجية تجعل التعويل على الضغط وحده رهاناً مكلفاً. وهذا اعتبار وجيه: استمرار الحرب قد يوسع دائرة الاستنزاف ويزيد مخاطر التصعيد، فيما قد يوقف اتفاق محدود الخسائرَ العاجلة التي يدفع سكان المنطقة ثمنها. لكن التهدئة غير المشروطة قد تتيح لطهران توظيف المنافع الاقتصادية في إعادة بناء قدرات الجماعات المسلحة التي تدعمها خارج سلطة الدول، واستعادة نفوذها عبرها. لذلك ينبغي تقييم الدبلوماسية والضغط وفق نتائجهما وتكلفتهما، وربط التدرج في تخفيف العقوبات بالتزامات قابلة للتحقق، تشمل وقف الدعم العسكري لهذه الجماعات؛ فوقف النار يعالج الخطر الآني، فيما تتطلب مصادر التصعيد تسوية أوسع.

المسار الأجدى هو تفاوض مرحلي يجمع وقفاً عاجلاً للنار والتزامات قابلة للتحقق؛ فلا يُمنح تخفيف شامل للعقوبات مقابل وعود بمفاوضات لاحقة، بل يتدرج مقابل تنفيذ التزامات محددة، مع مراقبة وإجراءات متفق عليها عند الإخلال. ولا يتطلب ذلك انتظار تغيير عقيدة النظام الإيراني، بل اختبار سلوكه: احترام القيود النووية، ووقف الهجمات ونقل السلاح والتمويل إلى الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدول. ويبقى الاختبار الأهم معالجة سلاح هذه الجماعات وعلاقاتها بطهران؛ فتأجيل ذلك قد يمنحها فرصة لاستعادة قدراتها، ويحوّل التهدئة إلى طمر الجمر بالرماد.

في لبنان، يتضح الفرق بين تهدئة الحدود وتغيير شروط الأمن؛ فإذا توقف القصف وبقي قرار الحرب خارج مؤسسات الدولة، من دون ترتيبات تمنع إعادة التسليح، فمن المرجح أن يستعيد «حزب الله» قدراته ويبقى اللبنانيون عرضة لمواجهة لم يقرروا خوضها. أما ربط التهدئة بدعم تنفيذ قرارات الدولة، وضبط الحدود والتمويل العسكري، فيتيح توسيع سلطتها. ولا يتحقق ذلك بمجرد تفاهم أميركي - إيراني على سلاح الحزب؛ فمشاركة الدولة اللبنانية وقدرتها على التنفيذ شرطان لفاعلية أي ترتيبات تخصها.

وفي العراق، يكون الاختبار خضوع الفصائل المرتبطة بإيران لقرار الدولة، لا تراجع هجماتها مؤقتاً. ويتطلب ذلك ضبط قرارها العسكري والتزامات إيرانية قابلة للتحقق بوقف دعمها، كي لا تبقى أوراقاً تستخدمها طهران في التفاوض.

أما اليمن، فإنَّ تخيّل هامش استقلال مفترض للحوثيين لا يلغي أهمية علاقاتهم بطهران من جهة، ولا ينبغي أن ينسحب على بقية الميليشيات خارج الدول من جهة أخرى، ولا يبرر منحهم مكاسب تتجاوز بقية اليمنيين.

وتختلف القضية الفلسطينية عن هذه الساحات، لأنَّ اختزالها في علاقة بعض الفصائل بإيران يحجب الاحتلال والحقوق الوطنية للفلسطينيين وغياب أفق سياسي ذي صدقية. قد يسهم ضبط الدعم العسكري في خفض التصعيد، لكنَّه لا يغني عن مسار يكون الفلسطينيون طرفاً في تحديد أهدافه. كذلك لا تستطيع اتفاقات السلام، مهما اتسعت، أن تحل محل تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

وفي الملف النووي، ينبغي تحديد الالتزامات وآليات التحقق ومراحل تخفيف العقوبات قبل منح المنافع الأساسية. أما الصواريخ، فتحتاج إلى ترتيبات واقعية تحدد ما يمكن ضبطه، بدل إحالتها إلى مفاوضات مفتوحة؛ فاتفاق نووي قابل للتحقق يقلل خطراً مهماً، لكنَّه لا يعالج بمفرده تهديد منشآت الطاقة والممرات أو نشاط الجماعات المسلحة.

ولا تستطيع واشنطن وطهران وحدهما ضمان تنفيذ هذه المسارات؛ فدول الخليج يجب أن تشارك في صياغة الترتيبات التي تمس أمنها ومراقبتها، كما يحتاج وقف النار إلى التزامات من الأطراف القادرة على تقويضه، بما فيها إسرائيل. والتحدي هو تنسيق المسارات المختلفة بحيث لا تمنح تهدئة ساحةٍ حريةَ التصعيد في أخرى.

الدبلوماسية ضرورة، ولا يشترط وقف الحرب حلَّ جميع نزاعات المنطقة دفعة واحدة، لكنَّه يحتاج إلى ضمانات تمنع إعادة التصعيد، ومسارات لاحقة تعالج مصادره. أمَّا الضغط، فيكتسب جدواه حين يدعم تنفيذ التزامات محددة، وتُقيَّم تكلفته باستمرار، بدل أن يصبح غاية مفتوحة. وبين وقف عاجل للنزف وتسويات أطول أمداً، يمكن بناء تدرج قابل للتنفيذ. أما فصل المنافع عن الالتزامات، وتأجيل مسائل السلاح والسيادة والتحقق، فمن المرجح أن يطمر الجمر بالرماد ويترك أسباب المواجهة قائمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 05:54 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الأزمة في التعامل مع الأزمة

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt