توقيت القاهرة المحلي 15:50:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس

  مصر اليوم -

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس

بقلم : جمعة بوكليب

مع أفول شمس عام وبداية عام جديد، تبلغُ حُمّى التوقّعات في الشؤون الحياتية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ذروتها. وتتحول القنوات التلفزيونية والمنصّات الإعلامية سريعاً، إلى ساحات مفتوحة لفئتين متناقضتين في الأدوات، متشابهتين في الأثر، إلى حد ما، وهما: المنجّمون أو العرّافون من جهة، والمحللون السياسيون من جهة أخرى.

كلاهما ينشط في نهاية العام، مستغلاً خوف الإنسان مما يخبئه له مستقبل مجهول ممثل في عام جديد، وكذلك بحثه الدائم عن طمأنينة يحتمي داخلها كصَدَفة، وسط صخب عالم لا يُؤتمن، تتقاذفه أمواج وأعاصير وزلازل بأنواع مختلفة ومتعددة.

من الممكن تعريف التنجيم باختصار بأنه تجارة بيع الأوهام. يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث كان جزءاً أساسياً من مفردات وممارسات الحضارات القديمة شرقاً وغرباً. أما اليوم، فقد تحوّل التنجيم إلى مهنة معترف بها تدرُ أموالاً. تنتشر في كل البلدان تقريباً، وتعتاش على استغلال العاطفة والقلق الإنسانيين. المنجّمون والعرّافون، أينما كانوا، قديماً وحديثاً، يحظون بشهرة يحسدون عليها، ويمارسون نوعاً مما نسميه «الاحتيال المقنن»، مستندين في ذلك إلى قاعدة معروفة منذ قديم الزمن، يجسّدها مثلٌ شعبي يقول: «رزق الهبل على المجانين».

أدوات الصنعة بسيطة؛ إذ لا يحتاج المنجّم والعرّاف لأكثر من صياغات غامضة وإلى حيل لغوية مطاطة ليوهم زبائنه بامتلاك مفاتيح الغيب، في عملية هي أقرب للسطو أولاً على العقول منها إلى أي شكل من أشكال المعرفة، وبهدف السطو ثانياً على ما في جيوب الزبائن من مال. زبائن المنجّم أو العرّاف يشتركون فيما بينهم في خاصية استعدادهم النفساني لأن يكونوا ضحايا.

على الضفة الأخرى المقابلة، يبرز المعلقون والمحللون السياسيون في وسائل الإعلام على اختلافها، ويتنافسون في تقديم التعليقات والتحليلات في مختلف شؤون السياسة، ويتم كل ذلك على مرأى ومسمع من الجمهور، وبلغات رصينة وواضحة ومصطلحات. وما يقولونه من آراء، وما يقدمونه من تحليلات تبدو وكأنها، في رأيي، تشبه تخرّصات منجّمين من جهة، ومن جهة أخرى لا تحمل صفة العلم اليقين وإن بدت على السطح كذلك؛ أي أنها تتموضع في منزلة بين المنزلتين. وهذا يضعهم في خانة يمكن وصفها - إن جاز التعبير - بخانة «العرّافين المُحدثين».

ورغم أنّهم قادمون من خلفيات مختلفة عن المنجّمين والعرّافين، ويحملون أرقى الشهادات العلمية أو أغلبهم، وتتسم أغلب طروحاتهم بالمعقولية، وتستند إلى معطيات وأحداث وقرائن واقعية، لكنّها، في الأخير، لا تخرج عن دائرة التكهّنات؛ بمعنى أن نسبة احتمال خطئها تقل أو ربما تساوي نسبة احتمال صحّتها. وهي في جوهرها، إن أمكن القول، رهان يشبه إلقاء نرد على طاولة قمار.

المنجّمون والعرّافون يتحدثون إلى زبائنهم بلغة العارف الموقن، لكن المحللين السياسيين أكثر ذكاءً وحذراً في أحاديثهم وكتاباتهم، بمعنى أنّهم يحرصون على عدم قفل الأبواب وراءهم، بتركها مواربةً، ضماناً للتراجع حمايةً لسمعتهم وحفظاً لماء الوجه إذا ما سارت الرياح بما لا تشتهي سفن توقعاتهم، وهي كثيراً ما تفعل. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن فئة منهم، بنسبة لا بأس بها، تنطلق من خلفية صلبة من المعرفة بالشأن السياسي، وبخبرة مكتسبة على مر الأعوام من ممارسة السياسة، وبعضهم ممن تولوا مناصب ومسؤوليات قيادية، ما يمنح أحاديثهم وتحليلاتهم مصداقية وصبغة «حديث العارف». لكن رياح السياسة – بطبعها – تظل ميداناً للمفاجآت التي قد تُسقط أعتى التوقعات.

يكمن السرُّ في استمرار رواج هذه التوقعات في طبيعة النفس البشرية، رغم يقيننا باحتمالية خطئها. نحن نتعامل مع المحلل السياسي أحياناً كما نتعامل مع خبير الأرصاد الجوّية؛ فالأخير قد يخطئ في تقدير سرعة الرياح أو موعد هطول المطر رغم امتلاكه لكل الأدوات العلمية. ورغم ذلك، نحرص نحن على متابعة النشرات الجوّية يومياً استعداداً وتوقياً لما قد يأتي به الطقسُ من مفاجآت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس عن المُنجّمين والمُحللين السياسيين وخُبراءِ الطقس



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 10:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
  مصر اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt