توقيت القاهرة المحلي 05:46:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غَزّة.. هل ستتحوّل إلى سنغافورة.. أم (تورا بورا)؟

  مصر اليوم -

غَزّة هل ستتحوّل إلى سنغافورة أم تورا بورا

عبد الباري عطوان
بقلم عبد الباري عطوان

كان الكَثيرون داخِل قِطاع غزّة وخارِجه، يَتوقَّعون إعلانًا وَشيكًا من القاهِرة يكشف تفاصيل “صَفقة التهدئة” التي جَرى التَّوصُّل إليها بين حركة “حماس” ودولة الاحتلال الإسرائيلي بوَساطةٍ مِصريّةٍ، ولكن الغارات الجويّة الإسرائيليّة التي تواصَلت طِوال اليَومين الماضِيين لم تُبَدِّد هَذهِ التَّوقُّعات فقط، وإنّما كشفت الوَجه الحقيقيّ للعَدوّ الإسرائيليّ وأهدافِه الحقيقيّة في مُواصَلة أعمال القَتل والتَّدمير، التي تُؤكِّد أنّ الجيش الإسرائيلي ما زال يَملُك اليَد العُليا، وأنّ المُفاوَضات لم تَكُن بين طَرفين مُتساوِيين، وأنّ الصَّفقة “إملاء”، وطَريقٌ في اتِّجاهٍ واحِد فقط وهي الهَيمنة الإسرائيليّة المُطلَقة.

القِيادة الإسرائيليّة هي التي بادَرت بالتَّصعيد، وتَعمَّدت “إذلال” أعضاء المكتب السياسي لحركة “حماس” القادِمين من الخارج، للتَّداول في بُنودِ صَفقة التَّهدِئة، وبَلوَرة الرَّد النِّهائيّ بالمُوافَقة الذي سيَحملونه إلى القِيادة المِصريّة، وارتكَبت طائِراتها مَجزرةً جديدةً راحَت ضحيّتها أُسرَة “أبو خماش” الذين مزَّقت أجساد ثلاثة منهم صواريخها التي اختَرقت سطح المَنزل المُتواضِع في مدينة دير البلح، وقتلت الشهيدة إيناس أبو خماش، الحامِل في شَهرِها السادس، ورَضيعتها بيان محمد خماش، وأصابت الوالد إصاباتٍ خطيرة، وقَتلت الجار الشهيد علي الغندور، ومِن المُؤلِم أكثَر أنّني أعرِف هَذهِ العائِلة، مِثلَما أعرِف مُعظَم عَوائِل هذه المدينة الصَّامِدة، فمُخيّمها مَسْقَط رأسِي.

***

الجَناح العسكريّ لحركة “حماس” لم يَتردَّد في الرَّد بِقُوَّةٍ تَطبيقًا لاستراتيجيّة “النَّار مُقابِل النَّار”، وأطلَق 180 صاروخًا وقذيفة هاون على المُستَوطنات الإسرائيليٍة في غِلاف غزّة، اعترَضت القُبّة الحديديّة 30 مِنها فقط، الأمر الذي يَعني حُدوث تَطوُّرٍ في القُدرات الهُجوميّة لهذا الجَناح المُقاوِم عَكَسَها هذا الرَّد، وربّما ما خَفِيَ أعْظَم.

لُجوء المُستوطنين في مدينة سدروت إلى المَلاجِئ، وإلغاء مُباراة لكُرة القدم كانت مُقرَّرةً بين فريق هبوعيل بئر السبع وفريق نيقوسيا، وإصابة عاملة تايلنديّة، كانت حصيلة الخَسائِر الإسرائيليّة، لكن الخَسائِر النفسيّة والمَعنويّة أكبر بكثير، فهَذهِ هِي المَرّةُ الأُولى التي ينزل فيها المُستوطنون إلى المَلاجِئ مُنذ عُدوان عام 2014، وهذه هي المَرّة الأُولى أيضًا التي تَنطلِق فيها صافِرات الإنذار في مدينة مِثل بئر السبع، فأكثَر ما يُقلِق الإسرائيليين هو الشُّعور بعَدم الأمان، وهُم قَطعًا لن ينعموا بِه مَهما وقّعوا من اتِّفاقيّاتٍ مع مَن يَقبَل بتوقيعها من الفِلسطينيين حتّى يعود الحَق كامِلاً لأصحابِه.

لا نَعرِف مصير “اتِّفاق التَّهدِئة” الذي تَوصَّلت إليه المُخابرات المِصريّة وصاغَت بُنودِه من خِلال اتِّصالاتِها بين الجانِبَين الحَمساويّ والإسرائيليّ، ولكن هَذهِ الغارات الوحشيّة الإسرائيليّة لا تُبَشِّر إلا بالدَّمار والخَراب والقَتل، ولا نَستبعِد أن تكون هُناك أطراف في الجانِبين تُريد إفشاله، وخاصَّةً في الطَّرف الفِلسطينيّ، وربٍما جناح “القسّام” العَسكريّ، وصُقورِه على وَجهِ الخُصوص، فقد لاحَظنا اختفاء بعض هؤلاء عن المَشهَد بشَكلٍ لافِت، طارِحًا العَديد من علاماتِ الاستفهام.

مِليونان هُم عَدد سُكّان قِطاع غزّة يُعانون من الحِصار الخانِق، ووصلوا، أو مُعظَمُهم، إلى حافّة المَجاعة، في ظِل انهيارٍ كامِلٍ للخَدمات الأساسيّة من ماءٍ وكَهرباءٍ وصِحّة وتعليم، ونِسبَة بِطالة عالِية تَصِل إلى أكثر من ثَمانين في المِئة، وجَميع القِوى العربيّة والإسرائيليّة والعالميّة تتواطَأ في مُخطَّط تركيعِهِم للقُبول بحَلٍّ “إنسانيٍّ تخديريّ” وليس “حلًّا سِياسيًّا”، يُخَفِّف مُعاناتِهم، ويَحول دُونَ انفجارهِم على غِرار مسيرات العَودة، وما هُو أكثر التي أعادَت إسقاط القِناع عن الوَجه الإسرائيليّ العُنصريّ الدَّمويّ البَشِع، فأكثَر ما تَخشاه إسرائيل هو اقتحام مِليونيّ شَخص لحُدودِهم، وليس حُدودها، والعَودة إلى مُدُنِهِم وقُراهُم.

يبدو صَعبًا أن تُخاطِب الجائِع بأن يَستَمرّ في جُوعِه، وتُحَرِّضه على رَفض الطَّعام، ويَبدو خارِجًا عن كُل الأعراف أن تَطلُب من الذي يَعيش تحت القصف وَحيدًا أعْزَلاً، بأن يَرفُض “جزرة” التَّهدِئة، حتى لو كانت عَجفاء ضامِرةً ومَسمومة، ولكن ما تُريدِه إسرائيل والمُتواطِئون العَرب معها، هو إعادَة الفِلسطينيين، وفي القِطاع بالذَّات، إلى مرحلة ما قَبل هزيمة عام 1967، وانطلاقِ المُقاوَمة، أي أن يعيشوا مُتَسوِّلين يَقتاتون على فُتات وكالة غوث اللاجئين الأُونروا، ولكن بِدون هَذهِ الوكالة التي نجحوا في تَحطيمِها وتجفيف مَوارِدها الماليّة، وإغلاق ما تَبقَّى من أبوابِها، لأنّها تُشَكِّل ضِلعًا أساسيًّا في تَكريسِ هُويّة اللُّجوء وحَق العَودة.

الغارات الإسرائيليّة الوَحشيّة وما ارتكبت من قتل وتدمير جاءَت للتَّذكير بالنَّتائِج التي يُمكِن أن تَترتَّب على رَفض اتِّفاق التَّهدِئة، وجَرى افتعال أسبابها لتَحقيق هذا الغَرَض، أو هكذا نَعتقِد، نحن الذين عارَضنا اتِّفاق أوسلو، ورَفضنا حُضور حَفل تَوقيعِه، وتَنبّأنا وغَيرنا الملايين بنَتائِجِه الكارِثيّة.

***

اتِّفاقات أوسلو “السِّياسيّة” تَسبَّبت، وبَعد رُبع قَرنٍ، إلى وَضع السُّلطة والشَّعب الفِلسطينيّ البائِس الحاليّ، ونَسَفت كُل إنجازات الشَّعب النِّضاليّة المُشَرِّفة وحَوّلته إلى شَعبٍ مُتَسوِّل، ومَكَّنت إسرائيل من ابتلاعِ واستيطان ما تَبقَّى من الأرض.. تُرى كيف ستكون النَّتائِج المُتَرتِّبة على صَفقة التَّهدِئة الحاليّة، وما هُو الثَّمن الذي سيَدفَعُه الشَّعب الفِلسطينيّ مُقابِلها؟ وهَل سَتكون التَّهدِئة مُقابِل رغيف الخُبز المُغمَّس بالذُّل، وليس مُقابِل التَّهدِئة، أم أنّها سَتكون تَهدِئةً مُقابِل المال والمَزيد من الاستيطان، وتَفكيك ما تَبقَّى من ثقافَة المُقاومة والهُويّة الفِلسطينيّة النِّضاليّة؟

لا نَمْلُك إجابةً عن كُل هَذهِ التَّساؤلات، وربّما لن يَنتظِر من سَيُوقِّعون هذا الاتِّفاق رُبع قَرنٍ ليَعرفون النَّتائِج تمامًا مِثلَما انتظر مُهَندِسو اتِّفاقات أُوسلو، لأنّ الزَّمن تَغيّر، وباتَ يسير بوَتيرةٍ أسرَع، وكذلك مُتَغيِّراتِه.

نَختُم بالقَول: احذروا من نيكولاي ميلادينوف، مبعوث الأُمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، وكَلامِه المَعسول ووعودِه المَسمومة، واحذروا من السَّماسِرة العَرب الذين يُزيِّنون لَكُم التَّنازلات، واحذروا من الذين يُلَوِّحون لَكُم بالأموال والمَشاريع، فغَزّة لن تُصبِح سنغافورة إلا إذا كان المُقابِل كُل فِلسطين، وإلغاء حَق العودة، وكُل أمل بالعَودة بالتَّالي.. وربّما تُصبِح “تورا بورا” أُخرَى، أو هانوي أُخرَى، وكل الاحتمالات وارِدَة.. والأيّام بَيْنَنَا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غَزّة هل ستتحوّل إلى سنغافورة أم تورا بورا غَزّة هل ستتحوّل إلى سنغافورة أم تورا بورا



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول

GMT 12:02 2018 الثلاثاء ,25 أيلول / سبتمبر

صامويل إيتو يؤكد أن ليونيل ميسي الأفضل في العالم

GMT 21:27 2019 الإثنين ,28 كانون الثاني / يناير

رواية "الجنية" لمازن فاروق بدر في طبعتها الثانية قريبًا

GMT 15:19 2024 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

بايرن ميونيخ يقرر تمديد عقد مدافعه أوباميكانو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt