بقلم: مصطفي الفقي
تبدو حياة البشر سلسلة متصلة الحلقات تختلف وفقًا لمراحل العمر، فضلًا عن الظروف المحيطة وطبيعة البيئة الفكرية والنفسية واختلاف المناخ الثقافى الذى يعزز الشعور بكل مرحلة يمر بها الكائن البشرى، ومنذ بداية اكتمال وعى الإنسان ومع وضوح الرؤية أمامه والأمثلة كثيرة حولنا والنماذج مختلفة أمامنا والإنسان مسؤول عن تصرفاته وفقًا لمراحل عمره ولكن ذلك أيضًا لا يعنى أبدية الحكم السلبى أو طبيعة التكوين الإيجابى لذلك فإننى أتابع نماذج البشر خصوصًا على المسرح السياسى ولفت انتباهى بشدة نموذج الرئيس السورى الانتقالى «أحمد الشرع»، حيث تحول ذلك الشاب المعنى بهموم وطنه وقضايا بلاده من وجهة نظره الشخصية إلى مكون خفى فى أعماقه تجاه النضال.
سعيًا نحو مطالب المكون الفكرى الذى يعتنقه، فالكل يعرف أن «أبو محمد الجولانى» كان يقف هو وجماعته فى مقدمة الطرف الآخر من المعارضة السورية التى اختار معظمها الكفاح المسلح والتعبير عن الرأى بالعنف والانخراط فى تنظيمات متطرفة شكلاً وموضوعًا، بل لقد تلوثت أيادى بعض الرفاق منهم بدماء العديد من الأبرياء أحيانًا والمعارضين بعنف أحيانًا أخرى، وقد رصدت الحكومة الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات لمن يأتيها بمعلوماتٍ عن أبو محمد الجولانى تؤدى إلى الإمساك به وتقديمه للعدالة بالمفهوم الأمريكى شديد الانحياز وبالغ التطرف هو الآخر.
وصحونا ذات صباح على الاسم الحقيقى للجولانى وهو «أحمد الشرع» واستمعنا فى دهشة وتحفظ إلى أن من كان يصنف إرهابيًا بالأمس أصبح اليوم قريبًا من قمة السلطة، بل وأضحى منذ ذلك الوقت حديث العالمين العربى والإسلامى، فضلًا عن تناقل أخباره فى الفضاء الدولى والإثارة التى أحاطت باسم ذلك القائد المتحفظ فى تصريحاته المقل فى تعبيراته والذى لا تبدو مشاعره واضحة لمن يراه أو يتحدث معه، وحين خاطب الرجل جموع السوريين فجأة من ساحة المسجد الأموى العريق مبشرًا بتحول ضخم فى تكوينه هو ورفاقه تجاه الحضن الدافئ للدولة السورية الأم التى غابت عن الساحة العربية لسنوات طويلة وتعرض شعبها لكل أنواع الإرهاب وضغوط القهر المادى والمعنوى حتى تحول فى فترة زمنية معينة إلى حشود من النازحين واللاجئين وكادت سوريا.
وهى مرآة الشام الكبير، تضيع فى زحام الأحداث العنيفة وضجيج الرؤى المتداخلة، وبدأ الكل يرقب الرئيس الانتقالى أحمد الشرع بين مصدق تمامًا ورافض كلية لذلك النموذج الفريد من التحول الفكرى والالتزام العقائدى بين طرفى نقيض، وتحولت الولايات المتحدة الأمريكية على الجانب الآخر إلى مرحب شديد بالقادم الجديد، بل وأشاد به الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أكثر من مناسبة ورفع العقوبات عن بلاده سوريا حتى يتعافى اقتصادها، ويصبح ذلك دعمًا متصلاً للدولة التى خرجت من غمار الحروب وأصداء المعارك.
ورغم التعقيدات الواضحة فى الوضع السورى وما يحيط به من تداخلات وتهديدات ومناورات، إلا أن أحمد الشرع قد حاز فى الغالب على أغلبية مؤيدة وأخرى صامتة محايدة، ويبقى ميزان النسيان والغفران هو الحكم، خصوصًا عندما نريد أن نعطى شخصية معينة حقها فى السياسة والحكم. لقد نجح أحمد الشرع فى كسب معركة الغفران وتبقى أمامه رحلة بناء الثقة ونسيان الماضى والمضى نحو تحقيق غايات الشعب السورى الشقيق الذى عانى كثيرًا وينتظر أن يحصل على الاستقرار أخيرًا.