توقيت القاهرة المحلي 18:05:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التواطؤ باسم الإنسانية!

  مصر اليوم -

التواطؤ باسم الإنسانية

بقلم - عبد الله السناوي

تكاد تتماهى ازدواجية الخطاب الأمريكى مع عوالم مسرح اللا معقول!
الكلام وعكسه فى خطاب واحد.
دعوات متواترة لإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ومستدامة لإنقاذ أهالى غزة من الموت جوعًا، وتمديد بالوقت نفسه للعدوان الذى يزهق أرواحهم!
مشاهد الجوعى الذين يتعرضون للتقتيل العمدى أثناء انتظارهم الحصول على مساعدات غذائية تبقيهم على قيد الحياة تطرح تساؤلا جوهريا إذا ما كانت أية دعايات أمريكية عن القيم الإنسانية قابلة للتصديق!
إذا لم يمت مئات الآلاف من الفلسطينيين بالقصف المتواصل فإنهم قد يلقون المصير نفسه بالتجويع المنهجى المقصود.
باليقين فإن الإدارة الأمريكية تتحمل المسؤولية الأولى عما يحدث للفلسطينيين من تنكيل تجاوز كل كابوس متخيل أو غير متخيل.
مددت للعدوان الهمجى على غزة ومنحته غطاء سياسيًا واستراتيجيًا وعسكريًا كاملًا حتى ينجز هدفيه المعلنين، اجتثاث حركات المقاومة الفلسطينية واستعادة الأسرى والرهائن بلا تكاليف سياسية باهظة.
لمرات عديدة منعت بحق النقض استصدار أية قرارات من مجلس الأمن الدولى بوقف الحرب دون أن تتوقف عن دعوة القوات الإسرائيلية لمراعاة القانون الدولى الإنسانى فى حماية حياة المدنيين.
طوال الوقت تدعو لإدخال المساعدات الإنسانية دون نجاح يذكر.
وأخيرًا دعت فى خطاب الاتحاد، الذى ألقاه الرئيس «جو بايدن» أمام مجلسى الكونجرس، لإنشاء رصيف بحرى قبالة سواحل غزة لإنجاز هذه المهمة الإنسانية!
لم يكن الدعم الإسرائيلى المعلن لذلك المشروع كلامًا فى فراغ الاستراتيجيات.
أول ما يستلفت النظر أن إنشاءه وتشغيله قد يستغرق نحو ستة أسابيع حسب التقديرات الأمريكية.
المعنى أنه لا حديث بأى مدى منظور عن وقف إطلاق النار، أو تحسين الوضع الإنسانى بضخ مساعدات كافية عبر المنافذ البرية.
ربما يمتد المعنى إلى تخفيض أية رهانات على تسوية ما عبر المفاوضات غير المباشرة بين «حماس» وإسرائيل.
بحسب الحيثيات المعلنة فإن المشروع الأمريكى يستهدف رفع نسبة المساعدات الإنسانية، أو أن تصل مباشرة إلى الجوعى من المدنيين لا إلى «حماس»، وبالتنسيق الكامل مع السلطات الإسرائيلية.
بنظر منظمات الأمم المتحدة: «لا بديل عن الممرات البرية»، قاصدة أن معبر رفح الحدودى المصرى أسهل وأسرع إذا ما أجبرت الولايات المتحدة إسرائيل على عدم استهدافه بالقصف، أو التعسف المفرط فى إجراءات دخول المساعدات».
بتعبير وزير الخارجية البريطانى «ديفيد كاميرون»: «لا بديل عن الممر البرى»، قاصدًا معبر رفح بالذات.
بتقدير «واشنطن بوست» فإن «الممر البحرى لا يكفى»، توافق على مشروعه، لكنها تشكك فى قدرته على الوفاء بالمهمة الإنسانية المفترضة.
أخطر ما فى ذلك المشروع: تجريد مصر من معبر رفح وقيمته الاستراتيجية.
وتجريد غزة فى الوقت نفسه من الرئة العربية الوحيدة للحركة والتنقل.
هذا يستدعى التنبه البالغ والتصحيح الضرورى لأية أخطاء وخطايا ارتكبت فى إدارة ذلك المعبر بعد توقيع اتفاقيتى «كامب ديفيد».
باسم الإنسانية مرة أخرى يجرى التواطؤ على أدوار وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» بذريعة أن ذلك الرصيف البحرى سوف يوفر خدماتها دون حاجة إليها!
هذا محض ادعاء لا أساس له.
استهداف «الأونروا» بادعاءات غير ثابتة عن علاقة بعض موظفيها بـ«حماس»، وفرض حصار دولى على تمويلها، قصده تفكيكها لإحكام الحصار مستقبلًا على القطاع فى خدمات لا غنى عنها كالصحة والتعليم والتشغيل.
بتعبير وزير الدفاع الإسرائيلى «يوآف جالنت» فإن الرصيف البحرى يساعد على انهيار «حماس» قاصدًا التركيع النهائى للفلسطينيين.
هكذا بكل وضوح فإن ذلك المشروع هو عمل متوافق عليه بين الجانبين الأمريكى الإسرائيلى.
إنهما يعملان تحت أفق استراتيجى واحد رغم أى تناقضات بين إدارة «بايدن» وحكومة «بنيامين نتنياهو».
قد ترى الإدارة الأمريكية الحالية أنه يفتقد فى اللحظة الحالية القدرة على القيادة.
بالمقابل فهو يصعد ضدها لهجة الخطاب.
لكن ذلك لا يمنع التوافق على الأهداف العليا للحرب، وعلى رأسها التهجير القسرى أو الطوعى للفلسطينيين بعدما تصبح حياتهم شبه مستحيلة فى القطاع المحطم، التى تؤكد التقارير الدولية أن (80%) من بيوته هدمت بالكامل، وأن خسائره المادية قد تتجاوز (30) مليار دولار.
القضية الحقيقية ليست «التوطين فى سيناء» بقدر ما هى إخلاء غزة من أهلها وتشتيتهم فى دول أخرى، عربية وغير عربية.
لذلك الرصيف دور وظيفى مقصود فى التهجير الطوعى.
فى بداية الحرب وجد اليمين الإسرائيلى المتطرف فى الدعم الأمريكى شبه المطلق فرصة للتجهير القسرى من غزة إلى سيناء وفرصة أخرى لتهجير مماثل من الضفة الغربية إلى الأردن.
اصطدم مشروع التهجير القسرى بموقف مصرى وأردنى وفلسطينى وعربى شبه موحد.
تراجع مؤقتًا لكنه ما يزال ماثلًا بصيغ جديدة طوعية هذه المرة يساعد عليها مشروع الرصيف البحرى.
قد يؤسس الرصيف البحرى لتواجد أمريكى عسكرى مباشر بهدف السيطرة على مخزون الغاز، التى تؤكد التقارير الدولية توافرها قرب شواطئ غزة.
إنه الغاز عصب الحياة الحديثة، التى تأكدت قيمته الفائقة فى حرب أوكرانيا.
تنفى إدارة «بايدن» أنها بصدد تمركز أية قوات عسكرية فى غزة.
ربما أرادت أن تطمئن الرأى العام الأمريكى قبيل الانتخابات الرئاسية، التى قد تقرر مصير «بايدن» فى البيت الأبيض، أنه لن يكون هناك تورط عسكرى مباشر فى غزة.
وربما أرادت أن تطمئن بالوقت نفسه «الحليف الإسرائيلى»، أنها ليست بصدد عرقلة أية خطط عسكرية مزمعة فى رفح، التى يراها «نتنياهو» ضرورية لحسم الحرب.
يستلفت النظر أن مشروع الرصيف البحرى طرح مباشرة إثر زيارة الوزير فى مجلس الحرب الإسرائيلى «بينى جانتس« للعاصمة الأمريكية واشنطن.
برغم الخلافات المعلنة فإنهما يتبنيان أهداف الحرب نفسها، المعلنة وغير المعلنة.
يحاول «بايدن» بخطابه المزدوج أن يحسن صورته داخل الحزب الديمقراطى كرجل يتبنى خطابًا إنسانيًا دون أن يتوقف عن توفير القنابل والذخائر والدعم المالى والاستخباراتى للعدوان على غزة.
لا يصلح ذلك الخطاب لتحسين صورة أو لإضفاء هيبة.
إنه تواطؤ باسم الإنسانية على غزة ومستقبلها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التواطؤ باسم الإنسانية التواطؤ باسم الإنسانية



GMT 01:22 2024 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

طهران ــ بيونغيانغ والنموذج المُحتمل

GMT 01:11 2024 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

ماذا نريد؟

GMT 01:07 2024 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

أكذوبة النموذج الإسرائيلي!

GMT 23:18 2024 الخميس ,25 إبريل / نيسان

تنظيم العمل الصحفي للجنائز.. كيف؟

GMT 23:16 2024 الخميس ,25 إبريل / نيسان

الأهلي في أحلام الفيفا الكبيرة..!

أيقونة الجمال كارمن بصيبص تنضم لعائلة "Bulgari" العريقة

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 16:30 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

نادين نجيم تكشف عن علامتها التجارية الخاصة
  مصر اليوم - نادين نجيم تكشف عن علامتها التجارية الخاصة

GMT 16:02 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

طرق سهلة لتحسين صحة الأمعاء والحفاظ عليها
  مصر اليوم - طرق سهلة لتحسين صحة الأمعاء والحفاظ عليها

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 14:29 2018 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

مؤمن زكريا يتخلّف عن السفر مع بعثة الأهلي

GMT 05:35 2018 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

شوبير يفجر مفاجأة حول انتقال رمضان صبحي إلى ليفربول

GMT 13:45 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

ماكينات الـ ATM التى تعمل بنظام ويندوز XP يمكن اختراقها بسهولة

GMT 02:15 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر الدواجن في الأسواق المصرية الجمعة

GMT 17:17 2017 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

المنتخب الوطني يصل السعودية لأداء مناسك العمرة

GMT 16:08 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

اكتشاف تابوت يحوي مومياء تنتمي للعصر اليوناني الروماني
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon