توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نحن والآخرون والمتاهة!

  مصر اليوم -

نحن والآخرون والمتاهة

بقلم :عبد الله السناوي

تحت وطأة الأزمة الأوكرانية وتداعياتها المحتملة يجد العالم نفسه مندفعا إلى ما يشبه المتاهة، البوصلات شبه معطلة والرهانات معلقة على مجهول.

أين نقف وكيف نتصرف؟
هذا السؤال اعترض دبلوماسيتنا فى الجلسة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التى نظرت قرار إدانة التدخل العسكرى الروسى فى أوكرانيا بعدما فشل مجلس الأمن فى استصداره بقوة الفيتو الذى تمتلكه.
تساعد مداخلات وأجواء واتجاهات التصويت فى فهم ما جرى، وما قد يجرى من تفاعلات وتحولات فى بنية النظام الدولى المأزوم.
بظاهر الأرقام، لقت موسكو هزيمة دبلوماسية لا سبيل إلى التقليل من أثرها الفادح على صورتها، رغم أن القرار بذاته غير ملزم، حيث وافقت (141) دولة على الإدانة مقابل (5) دول، فيما امتنعت (35) دولة عن التصويت.
وزير الخارجية الروسى «سيرجى لافروف» عزا تلك الهزيمة الدبلوماسية إلى حجم الضغوط التى مارستها الولايات المتحدة وحلفائها بالترهيب والابتزاز.
هذه نصف الحقيقة، النصف الآخر أن روسيا فشلت على نحو ذريع أن تحشد الدول القريبة منها بالتاريخ أو بالمصالح، التى يفترض أنها حليفة، أو مستعدة لتفهم روايتها للأزمة وأسبابها الأمنية.
إذا ما استثنينا روسيا نفسها مع حليفتها بيلا روسيا المتهمة بالضلوع معها فى نص القرار الأممى، فإن الذين صوتوا بـ«لا» ثلاث دول: سوريا وكوريا الشمالية وإريتريا!
خسرت موسكو معركة الصورة بالتضييق الإعلامى وحملات التشويه، التى طالت كل شىء حتى نالت من الإرث الثقافى والفكرى والحضارى للأمة الروسية، فكل ما هو روسى ممنوع تدريسه حتى روايات أديبها العظيم «ديستوفيسكى»، كما حدث فى بعض الجامعات الإيطالية.
الهيستريا نفسها نالت من فنون رفيعة كالأوبرا والبالية والموسيقى الكلاسيكية، كأنها مكارثية جديدة فى قلب أوروبا تطارد فكرة الحضارة نفسها.
هذه قضية الإنسانية المعاصرة، قبل روسيا وبعد روسيا.
إذلال روسيا بالتهميش والعزل والعقوبات المفرطة يؤسس موضوعيا لحرب عالمية ثالثة سوف تكون نووية هذه المرة.
لم تكن مثل هذه الهزيمة الدبلوماسية ممكنة، أو متخيلة، فى زمن الاتحاد السوفييتى السابق، الذى تمتع بنفوذ سياسى واستراتيجى وعسكرى وأيديولوجى.
لم تنجح موسكو طوال سنوات ما بعد الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتى، فى بناء نموذج سياسى ملهم ومؤثر، ولا بنت دولة مؤسسات حديثة تصوب القرار السياسى وفق التحديات الماثلة.
ولا كانت الهزيمة الدبلوماسية تعبيرا عن موازين القوة الحالية بقدر ما كانت انعكاسا لفوضى الحسابات والمواقف فى نظام دولى قديم، لا يريد أن يخلى مواقعه دفاعا عن مصالحه ونفوذه فيما الجديد لم تتضح معالمه أو تبلورت قواه.
بالنظر فى قائمة الدول التى امتنعت عن التصويت فإنها تضم أكبر دولتين أسيويتين، الصين والهند بكل ثقلهما الاقتصادى والبشرى.
امتناعهما عن التصويت فيه درجة من التفهم للأسباب الروسية، دون استعداد للقفز إلى تحالف قبل استكمال مقوماته خشية أية عواقب وخيمة على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية.
فى توجهات التصويت بدا العالم الثالث بلا عمود فقرى سياسى قادر على تحمل أية ضغوط قبل اتخاذ قرار مستقل.
قائمة الذين امتنعوا عن التصويت ضمت كتلة يعتد بها من القارة الإفريقية، بينها دول لم يكن متصورا أن تصوت على هذا النحو مثل إفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية ومدغشقر ومالى ونامبيا.
كان لافتا أن دولة كباكستان تربطها علاقات صداقة وتحالف مع الغرب منذ استقلالها امتنعت عن التصويت، فيما بدا أنه نزوع للخروج عن السرب الأمريكى واحتذاء للجارة اللدودة الهند، لكن لأسباب أخرى تستحق الإجلاء فى عالم مضطرب فى مواقفه وحساباته.
كما كان لافتا أن إيران، التى بدت أكثر تأهبا واستعدادا للدخول بأى تحالف يضمها إلى روسيا والصين، احتذت الموقف الصينى فى عدم التصويت خشية أية أضرار تلحق بها فى «مباحثات فيينا» لإحياء الاتفاق النووى معها.
هكذا وجدت الدبلوماسية المصرية نفسها داخل متاهة الحسابات المتعارضة.
أين تقف بالضبط؟.. أو كيف تتصرف؟
الأمريكيون والأوروبيون يضغطون عبر قنوات عديدة، قبل أن يتجاوزوا كل أعراف العمل الدبلوماسى بصورة غير مسبوقة!
لم تكن القضية فى استكشاف أين تقف القاهرة، ولا فى الاتصال معها بشأن التنسيق فى المواقف.
الجديد والمثير أن الأمور أفلتت مما هو طبيعى إلى ما هو غير طبيعى باجتماع مجموعة سفراء الدول السبع الكبرى فى القاهرة واستصدار بيان يطلبون فيه من كافة الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة إدانة جماعية لما يحدث فى الحرب الروسية الأوكرانية.
«ليس هناك دولة فى العالم تستطيع أن تقبل المساس بسيادة الآخرين لمجرد أن جارها الأقوى يريد ذلك».
لم تكن لتلك الإشارة أية قيمة وصدقية بالنظر إلى مواقف هذه الدول بالذات إلى قضايا الشرق الأوسط المستباح فى أمنه ووجوده!
تبدت فى البيان إشارتان خطيرتان كأنهما تهديدان أحدهما أمنى واستراتيجى والآخر اقتصادى وسياحى.
الأولى: «إن محاولة روسيا زعزعة استقرار النظام الدولى سوف يكون لها صدى أيضا على منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بما فى ذلك مصر».
والثانية: «إن العدوان الروسى يعنى ارتفاع أسعار القمح والسلع الغذائية فى مصر وأفريقيا».. فضلا عن أنه: «سوف يتعذر على ملايين السائحين الأوكرانيين... القدوم إلى مصر، الأمر الذى يتسبب فى ضرر مباشر لقطاع صناعة السياحة».
فى محاولة للإفلات من الضغوط المتصاعدة، التى شملت دول العالم بلا استثناء، دعت القاهرة إلى اجتماع للجامعة العربية.
شابت ذلك الاجتماع، الذى عقد على مستوى المندوبين، تباينات حادة أفضت إلى موقف وصفه الأمين العام المساعد السفير «حسام زكى» فى حديث متلفز بأنه «حيادى»، «لا نلوم أو ندين ولكننا نرغب فى المساعدة»!
فى تصويت الأمم المتحدة امتنعت ثلاث دول عربية هى الجزائر والعراق والسودان فيما وافقت الدول العربية الأخرى.
كان ذلك تعبيرا مستجدا عن الفجوات العميقة فى المواقف العربية بشأن أية قضية وجودية أو غير وجودية، مهمة أو غير مهمة!
اللافت فى أداء الدبلوماسية المصرية الحيرة التى شابت حركتها، صوتت بـ«نعم»، وأفاضت كلمة مندوبها فى ذكر الأسباب التى دعتها لاتخاذ هذا الموقف، قبل أن تعود لتخفيف أية آثار سلبية محتملة فى العلاقات مع روسيا إلى تبنى موقف آخر ترجمته المفترضة: «الامتناع عن التصويت».
أهم ما جاء فى إيضاح الخارجية المصرية: «أنه لا ينبغى غض الطرف عن بحث جذور ومسببات الأزمة الراهنة»، فيما يعنى نوعا من التفهم للمخاوف الأمنية الروسية وشرعيتها.
وأقوى ما فيه: «رفض توظيف منهج العقوبات الاقتصادية خارج إطار آليات النظام الدولى متعدد الأطراف من منطلق التجارب السابقة، التى كان لها آثارها الإنسانية السلبية البالغة وما أفضت إليه من تفاقم ومعاناة المدنيين طوال العقود الماضية».
وهو اعتراض صريح من حيث المبدأ على الحصار المفروض على روسيا.
كان ذلك تصحيحا وضبطا للمواقف خارج قاعة الجمعية العامة، لكنه ضرورى وصحيح ويدعو بمنطقه وظروفه وملابساته لإعادة هيكلة السياسة الخارجية المصرية فى لحظة تحولات عاصفة يقال فيها عن حق إن الأسوأ فى الأزمة الأوكرانية لم يأت بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نحن والآخرون والمتاهة نحن والآخرون والمتاهة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt