توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثنائية التفجير والتهدئة فى العراق

  مصر اليوم -

ثنائية التفجير والتهدئة فى العراق

بقلم :عبد الله السناوي

ما بين التفجير إلى حد عودة أشباح الاحتراب الأهلى والتهدئة إلى حد الرهان على إحياء العملية السياسية، التى ماتت إكلينيكيا، يجد العراق نفسه معلقا على احتمالات وسيناريوهات متناقضة.
لليلة طويلة دامية خيمت احتمالات الانجراف إلى احتراب أهلى جديد على المشهد المأزوم.
بدت المنطقة الخضراء، الأكثر تحصينا وتأمينا فى العاصمة بغداد حيث تتمركز مؤسسات الدولة والسفارات ومكاتب الصحف والفضائيات الدولية والإقليمية، موقع الصدام المسلح.
كان مثيرا للالتفات أن موجة العنف امتدت فى نفس الليلة إلى ساحة الفردوس، أهم ساحات بغداد، التى شهدت الموجة الأولى لزحف قوات الاحتلال الأمريكى عام (2003) وإسقاط تمثال «صدام حسين» باسم «نشر الديمقراطية فى العراق».
فى صباح اليوم التالى تغيرت الصورة من نقيض إلى نقيض بفض الاعتصامين المتناقضين بدواعى طلب التهدئة وصيانة الدم العراقى.
المفارقة الأولى فى قصة ما جرى، أن طرفى النزاع، التيار الصدرى والإطار التنسيقى، ينتسبان إلى بيت واحد يطلق عليه «البيت الشيعى»، فيما أخذت الجماعات السياسية الأخرى التى تنتسب إلى السنة والكرد مسافة محسوبة من النزاع خشية أن تتورط فيما لا تريده ولا تطيق تكاليفه.
المفارقة الثانية، أن طرفى النزاع يختلفان جذريا فى توصيف الأزمة العراقية، كلاهما يحمل الآخر مسئوليتها الكاملة.
«التيار الصدرى» يتهم «الإطار التنسيقى» بإفساد الحياة السياسية ونهب مقدرات الدولة مطالبا بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة وإدخال تعديلات دستورية جراحية لإعادة بناء النظام السياسى، عهد جديد ونظام جديد.
و«الإطار التنسيقى» يتهم الصدريين بالتعدى على مؤسسات الدولة وتعطيل العملية السياسية وجر البلاد إلى الفوضى مطالبا بحكومة جديدة تمتثل عمليا لما يريده من سياسات ومصالح.
بعبارة الرجل الأول فى «الإطار التنسيقى» «نور المالكى» رئيس الوزراء الأسبق لثمانى سنوات وأمين عام حزب الدعوة الأكثر تشددا، وهو متهم من خصومه فى ذمته السياسية والمالية: «القوة لا تخول طرفا أن يحدد البوصلة ويفرضها على الآخرين».
المفارقة الثالثة، أن كلا الطرفين المتنازعين صلاته ممتدة مع الجار الإيرانى بدرجتين مختلفتين، «التيار» يطلب الحق فى الاختلاف دون صدام فيما أغلب أحزاب وقوى «الإطار» أقرب إلى التماهى.
كان قرار «مقتدى الصدر» اعتزال العمل السياسى تعبيرا مباشرا عن علاقات معقدة مع المرجعيات الدينية فى قم، لا يقدر أن ينازعها ولا يتقبل أن يمضى حيث تريد.
بعبارة لافتة فى نص بيانه: «يظن كثيرون بما فيهم السيد الحائرى، أن هذه القيادة، جاءت بفضلهم أو أمرهم».. «مرجعا قيادته إلى فضل الله أولا وفيوضات والده الذى لم يتخل عن العراق وشعبه ثانيا».. لا إلى مرجعية الحائرى المقيم فى قم، أو غيره من المرجعيات خارج العراق.
بتوقيته والأجواء المتوترة التى أحاطته استدعى ذلك الإعلان تفلتا واسعا فى صفوف أنصار «الصدر».
جرى اقتحام القصر الحكومى ومؤسسات أخرى فى المنطقة الخضراء وعمت الفوضى المكان.
بدا الأمن عاجزا عن مواجهة ما يحدث أمامه، لا يريد أن يصطدم مع أحد طرفى النزاع، لكنه مطالب بالوقت نفسه حماية ما تبقى من هيبة واحترام.
دخل الطرف الآخر الأكثر تسليحا على الخط وأفلت الزمام تماما فيما يشبه «بروفة حرب أهلية».
باليقين يحسب لـ«مقتدى الصدر» المبادرة الشجاعة، التى دعا فيها أنصاره للانسحاب خلال ساعة واحدة من محيط المنطقة الخضراء وإنهاء الاعتصام فى مبنى البرلمان، وإلا فإنه سوف يتبرأ من «التيار».
وصف ما يحدث بأنه لم يعد ثورة وتياره بـ«المنضبط والمطيع».
فكرة «السمع والطاعة» من طبائع الأحزاب الدينية، الأمر نفسه يسرى على «الإطار التنسيقى».
فى خطوة مماثلة دعا «الإطار» أنصاره المعتصمين فى المنطقة الخضراء إلى «العودة سالمين غانمين إلى منازلهم» حتى يستدعيهم مجددا «نداء الوطن».
العبارة بنصها ورسائلها تعنى أن الأزمة المستحكمة بجميع عناصرها ما زالت ماثلة فى المشهد العراقى رغم ما جرى من تهدئة موقتة.
تجنب العراق الاحتراب الأهلى، لكن أسبابه ما زالت كامنة فى انتظار نقطة تفجير جديدة.
ساعد على احتواء الخطر أن اللاعبين الرئيسيين الإقليميين والدوليين ليست لهم مصلحة الآن فى تفجير الوضع العراقى المأزوم، العالم بأسره بلا استثناء تقريبا حث العراقيين على التهدئة واللجوء إلى الحوار وتجنب الانخراط فى العنف.
بتلخيص ما: نحن أمام حرب أهلية مؤجلة.
المعضلة الآن أنه لا توجد فرص كبيرة للتفاهم السياسى عبر الحوار، فالصدريون يقاطعون دعواته المتواترة حتى إشعار آخر فـ«لا حوار مع الفاسدين ولا تنازل عن طلب حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة» فيما قادة «الإطار» يتمترسون حول طلب تشكيل «حكومة خدمة وطنية»، يشكلونها هم بطبيعة الحال بالنظر إلى استقالة نواب الكتلة الصدرية من البرلمان فى إجراء غير مفهوم وغير مبرر.
الحقيقة الرئيسية فى كل ما يجرى بالعراق أن ما توصف بالعملية السياسية تقوضت بالكامل حتى أصبحت «خرقة مهلهلة».
كان ذلك آخر تداعيات زلزال احتلال العراق قبل نحو عشرين عاما، عندما حلت مؤسساته العسكرية والأمنية وفككت دولته ونهبت ثرواته وجرى التنكيل بشعبه الذى نهض لمقاومة الاحتلال.
العراق لا يزال يدفع فواتير الاحتلال التى يصعب تجاوز أعبائها الثقيلة فى أى مدى منظور.
ما يدعو إليه التيار الصدرى أقرب إلى نبض الشارع وأنينه، غير أن المصالح التى ترسخت تكاد تجعل من فكرة التغيير الجذرى عملا بعيد المنال دونه نيران قد تشتعل بأنحاء البلد كله.
يستلفت الانتباه ــ هنا ــ أن رئيسى الجمهورية والحكومة، كلاهما استنفد ولايته لكنه باقٍ فى منصبه لتصريف الأعمال، تبنيا بصيغة واحدة تقريبا ما يطالب به «التيار الصدرى» لكن بطريقة مختلفة.
حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة مسار إجبارى عبر الحوار الوطنى لا من خارجه، بالتوافق لا بفرض إرادة طرف على آخر.
ماذا قد يحدث لو لم تتفق القوى المتنازعة على إجراء انتخابات مبكرة باسم الحفاظ على المؤسسات والقواعد الدستورية والقانونية؟
.. وماذا قد يحدث إذا ما حكمت المحكمة العليا فى دعاوى حل البرلمان.. بالقبول أو الرفض؟!
لا توجد قواعد حاكمة، متماسكة ومقنعة، فى ظل المحاصصة الطائفية، التى أفسدت الحياة السياسية كلها.
«التيار» يطلب الانتخابات المبكرة واثقا من شعبيته.. و«الإطار» يماطل خشية خسارتها مجددا بصورة أكبر مما حدث فى الانتخابات السابقة.
ثم.. ماذا قد يحدث إذا أطلت الاضطرابات مرة أخرى؟
رئيس الحكومة «مصطفى الكاظمى» لوح أنه سوف يعلن خلو المنصب إذا ما أفلتت الأمور مجددا إلى حد الاصطدام المسلح.
خلو المنصب التنفيذى الأول فى البلاد يعنى انتقال مشروع الاحتراب الأهلى إلى واقع دموى على الأرض.
السؤال العملى الآن: أيهما أولا.. انعقاد البرلمان لانتخاب رئيسى جمهورية ووزراء جديدين كما يطالب «الإطار» وأطراف عديدة أخرى، أم حل البرلمان فورا وإجراء انتخابات مبكرة على ما يطالب «التيار»؟
لا بديل عن الحوار إذا ما أريد تجنب الاحتراب الأهلى، لكن كيف ومتى وبأية مخرجات؟
إنه سؤال يقع بالضبط فى المساحة الحرجة بين التفجير والتهدئة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثنائية التفجير والتهدئة فى العراق ثنائية التفجير والتهدئة فى العراق



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt