توقيت القاهرة المحلي 08:34:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البطريرك والسلطة والتطبيع

  مصر اليوم -

البطريرك والسلطة والتطبيع

بقلم: عبد الله السناوي

أسئلة التطبيع تطرح نفسها بإلحاح ظاهر على الحوادث السياسية فى العالم العربى، كأنها من أعمال الطبيعة الجامحة كالعواصف والزلازل والبراكين لا سبيل إلى تدارك ضغوطها ولا مفر من التسليم بنتائجها دون قيد أو شرط!
الأسئلة الخطأ تفضى بالضرورة إلى الإجابات الخطأ.
كانت مصر أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل عام (1979)، غير أن تجربتها على مدى أكثر من أربعة عقود ناقضت رهانات «السلام الدافئ» بقوة الرفض الشعبى، التى تصدرها مثقفون ونقابيون وسياسيون من جميع الاتجاهات الوطنية.
من أبرز الأسماء التى تصدرت المشهد الاحتجاجى التاريخى «البابا شنودة الثالث» بطريرك الكنيسة الوطنية المصرية
كان زعيمًا سياسيًا محنكًا بالمعنى الاصطلاحى رغم منصبه الدينى الرفيع.
هو مزيج خاص واستثنائى بين رجل الدين ورجل السياسة، ولعل الفراغ السياسى وغياب عناصر مدنية مسيحية فى صلب الحياة السياسية، مع شعور قطاع واسع من الأقباط بالغبن والتهميش، أفسح المجال واسعًا أمام دور سياسى مباشر يلعبه فى مقدمة مسرح مفعم بالتحولات والصراعات والانقلابات السياسية.
صعد إلى كراسى البابوية بعد سبعة أشهر من رحيل «جمال عبدالناصر» فى (28) سبتمبر (1970)، وتولى «أنور السادات» مقاليد السلطة.
شاءت الأقدار ــ أقدار البابا وأقدار مصر ــ أن تتغير الرئاسة فى البلد والكنيسة فى توقيت متزامن.
جاء «شنودة» إلى رئاسة الكنيسة فى سن الثمانية والأربعين بأفكار جديدة ورؤى ترغب فى تجديد الكنيسة المصرية وتحديثها، ثم دعت صراعات السياسة وانقلاباتها إلى استبدال علاقة الانسجام بين رئاسة الدولة ورئاسة الكنيسة فى عصر «عبدالناصر» والبابا «كيرلس السادس» إلى صدام بين الرئاستين أواخر عهد «السادات» وصلت تداعياته إلى وضع البابا تحت الإقامة الجبرية فى دير «وادى النطرون» أثناء اعتقالات سبتمبر (1981)، التى استبقت بشهر واحد حادث المنصة الدموى.
عندما ذهب «السادات» عام (1977) إلى القدس مانع «شنودة» فى الذهاب معه، ثم حسم أمره سريعا فى رفض اتفاقيتى «كامب ديفيد» (1978)، وما يترتب عليها.
كانت حسابات البابا ــ السياسية قبل الدينية ــ أن مجاراة رئاسة الدولة فى سياساتها المستجدة قد يدفع قطاعات واسعة من الرأى العام العربى، فى مصر بالخصوص، إلى التشكيك فى الانتماء العربى لأقباط مصر.
«لسنا خونة الأمة العربية» على ما دأب أن يقول بحسم.
عندما كان عليه أن يختار بين رئاسة الدولة والرأى العام فيها، اختار بلا تردد أن يصطدم مع «السادات»، مدركًا أنه إذا ما جاراه فى التطبيع فسوف تلحق بالأقباط أضرار أفدح لا يمكن تداركها وشروخ لا يمكن ترميمها فى النسيج الوطنى.
رفع رأسه معتزًا بدوره وهو يقول: «أنا آخر البوابات العظام الذين قالوا للمحتل لا».
هكذا وصف الصورة التى أراد أن يدخل بها التاريخ.
فى التفاته رجل لديه حس استثنائى بالتاريخ أغلق ذات حوار بيننا جهاز التسجيل.
سألنى: «هل تعتقد أن كل الدول العربية والإسلامية سوف تعترف بإسرائيل؟».
أجتبه على الفور: «لا».
قال: «إذن لن أذهب إلى القدس أبدًا».
كانت تلك درجة أكثر تشددًا فى رفض التطبيع مع إسرائيل، أو زيارتها، أو السماح للأقباط بالحج إليها.
فى البداية قال: «لن أزور القدس إلا مع شيخ الأزهر».
ثم فكر فى احتمال أن يزور شيخ الأزهر المدينة المقدسة، وأن يكون الرأى العام العربى غاضبًا ومعترضًا.
رأى أن الأوفق ألا يزورها حتى لو ذهب إليها شيخ الأزهر.
تصادم ذلك الموقف المتشدد مع مصالح بعض العائلات القبطية، التى لها صلات بالولايات المتحدة ومصالح محققة فى الغرب، متصورة بالوهم أن حماية الأقباط فى علاقات دافئة مع إسرائيل.
«الحج لكنيسة القيامة الآن خيانة للمسيح».
أدار معركته بثقة فى قوة مركزه وضرب بقبضة البابوية من أسماهم «المتأمركين الأقباط».
كنت من الذين نصحوا البابا ــ فى تلك الأيام البعيدة ــ أن يدخل المواجهة بنفسه، يلقى بثقله فى ميادينها، أن يكون هو بقضيته موضوع المواجهة.
حسم الموقف بأسرع من أى توقع وحاز فى الوقت نفسه على شعبية كبيرة فى العالم العربى.
وصفته قبل أن تمتد الحوارات بيننا بـ«البابا العربى».
أرسل سكرتيره الصحفى الأستاذ «طلعت جاد الله» برسالة مختصرة: «البابا يريد أن يراك».
بحسه السياسى استمع وهو فى مكتبه أصوات مظاهرات طلاب جامعة عين شمس وقد وصلت إلى ميدان العباسية تتضامن مع العراق المحاصر وتستعيد مواقف «جمال عبدالناصر».
أراد أن يستمع لوجهات نظر أخرى فى الحياة العامة المصرية عند منتصف تسعينيات القرن الماضى.
كان تلك حسابات رجل سياسة محنك وقدير.
كان يدرك أن حماية الرأى العام المصرى والعربى قادرة على صيانة الكنيسة من التفكك والضعف.
مع بداية عصر «مبارك» مالت العلاقة بين الكنيسة والدولة إلى نوع من التهدئة والتعايش وتجنب الصدام، الذى شابها فى سنوات «السادات».
فى بعض الأوقات شاب العلاقة بين رئاسة الدولة ورئاسة الكنيسة نوعا من الفتور، وبدا أن قنوات الاتصال غير سالكة أو غير موجودة، وهو ما سمعته من البابا «شنودة» شاكيًا من أن أحدًا لا يتابع الكنيسة القبطية ويساعد على تذليل ما يعترضها من أزمات ومشكلات كما كان يفعل الدكتور «مصطفى الفقى» سكرتير الرئيس للمعلومات قبل أن يغادر منصبه.
كانت للبابا «شنودة» صفتان، رجل سياسة صاحب رؤية للعلاقات بين المسلمين والأقباط وإدارة الحوار مع الدولة وضبط إيقاع التفاعلات، وهو ــ هنا ــ متشدد قوميًا من حيث المبادئ العامة ومرن سياسيا فى العلاقة مع الدولة، غير أن صفته الثانية كرجل دين، وهى الأصل تضع حدودا لرجل السياسة.
رجل الدين، الذى هو رأس الكنيسة، تحاصره الشكايات، وبعضها مغلف بأجواء احتقان طائفى وعليه ــ بحكم الواقع ــ أن يبدو مدافعًا عن طائفته.
عندما تصاعدت أدوار جماعات أقباط المهجر، لم يكن مستريحًا لمثل هذا الصعود، الذى أخذ يطرق مجالسه، وترتفع الأصوات فيها بالغضب.
رغم ذلك نجح إلى حد كبير فى ضبط الإيقاع، والتأكيد على ضرورة حل مشاكل الأقباط فى إطار الجماعة الوطنية المصرية.
فى حواراتنا المتصلة قال لى ذات مرة إنه يرفض التمثيل النسبى للأقباط فى المجالس الدستورية، ولا يعنيه عدد الأقباط فى التشكيل الحكومى.
اعتبر أن بعض الوزراء الأقباط عبء على الكنيسة.
شرح وجهة نظره على النحو التالى: «لو أن هناك محافظًا قبطيًا ــ لم يكن هناك محافظ قبطى فى ذلك الوقت ــ تبنى قضايا الأقباط فسوف يقال عنه إنه متعصب، أما إذا تبناها محافظ مسلم فسوف يقال عنه إنه متسامح».
كانت تلك رؤية نافذة لرجل يدرك معنى السياسة وتعقيداتها.
فى مطلع القرن سألته «هل أنت مطمئن يا قداسة البابا إلى أن من سوف يأتى بعدك سوف يلتزم بتوجهاتك الرئيسية فى رفض التطبيع مع إسرائيل حتى لا تكون هناك فتنة أو اتهامات لأقباط مصر بأنهم خونة الأمة العربية، على ما تحذر دائمًا؟».
كانت إجابته: «لا تقلق، فما أعبر عنه هو التيار الرئيسى داخل الكنيسة المصرية، وهذه مدرسة لى فيها تلاميذ أوفياء سوف يحملون الراية بعدى».. وهذا ما حدث.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البطريرك والسلطة والتطبيع البطريرك والسلطة والتطبيع



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt