توقيت القاهرة المحلي 09:55:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقاربات بين حربين!

  مصر اليوم -

مقاربات بين حربين

بقلم :عبد الله السناوي

تجرى مقاربات فى العالم العربى تتهم الغرب بممارسة الحد الأقصى من ازدواجية المعايير والتوغل فى العنصرية، إذا ما قورنت السياسات والمواقف فى الحرب الأوكرانية بما هو متبع فى قضايانا وحروبنا ومصائرنا.
بالنظر الإنسانى والأخلاقى فإنها مستحقة وجدارتها لا شك فيها بنصوص القانون الدولى، غير أنها بالوقت نفسه تكاد تقع فى وهم القياسات الخاطئة.
إنها حقائق القوة والاستراتيجيات والمصالح قبل وبعد كل شىء.
فى مثل هذه الأيام قبل (19) عاما سقطت بغداد، فككت دولتها واستبيحت مقدراتها وانتهكت حياة مئات الألوف من مواطنيها واضطرت مئات ألوف أخرى للنزوح عن ديارهم فى أسوأ ظروف إنسانية دون أن تمد يد عون من الغرب تخفف الآلام وتضمد الجراح، كما يجرى الآن بأريحية لافتة مع النازحين الأوكرانيين.
الوضع مختلف تماما والقياس مستحيل على أية قيم إنسانية، أو قانونية.
فى الحالة الأوكرانية، الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى وحلف «الناتو» أطراف مباشرة فى الحرب بتدفقات سلاح متقدم إلى ميادين القتال لاصطياد الدب الروسى فى حرب استنزاف طويلة وحروب مدن يصعب حسمها دون كلفة باهظة مع فرض عقوبات اقتصادية ومالية ورياضية وفنية لم يسبق لها مثيل فى التاريخ المعاصر.
بمعنى آخر، فإن أوكرانيا رهينة لصراعات قوى كبرى يتحدد وفق نتائجها وتداعياتها مستقبل النظام الدولى وموازين القوى المستجدة فيه، وليست مقصودة بذاتها.
وفى الحالة العراقية، الأطراف نفسها شاركت فى الحرب تحت قيادة أمريكية مباشرة لتوظيف حادث الحادى عشر من سبتمبر (2001) فى إعادة ترتيب الإقليم وهندسته من جديد بالتقسيم والتفكيك تحت لافتة «الشرق الأوسط الجديد».
عشية الحرب على العراق استخدم رئيس الوزراء البريطانى «تونى بلير» كل ما هو متاح من وسائل لتسويغها وردد أكاذيب وادعاءات عن امتلاك نظام «صدام حسين» أسلحة دمار شامل.
ثبت بيقين أنه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل، وأن التقارير الاستخباراتية التى تردد فحواها فى مجلس العموم البريطانى والكونجرس الأمريكى كانت كاذبة واستخدمت لخداع الرأى العام.
وثبت بيقين أنه لم تكن هناك أدنى صلة لنظام «صدام حسين» بتنظيم «القاعدة»، بل إن التنظيم وجد طريقه لبلاد الرافدين بعد احتلالها.
فى تلك الأيام ارتفعت أصوات عربية عديدة تحذر من بوابات الجحيم توشك أن تفتح، كان أول من أطلق ذلك التحذير أمين عام الجامعة العربية فى ذلك الوقت «عمرو موسى».
كان قرار الحرب قد اتخذ، ولم تكن هناك قوة ردع كافية لمنع الكارثة المحدقة.
الأسوأ أن نظما عربية عديدة كانت طرفا مباشرا فى الاستعدادات العسكرية اللوجيستية لغزو العراق، وشاركت بالتحريض عليه حسب شهادات متواترة وموثوقة.
لم يخضع «بلير»، كما الرئيس الأمريكى الأسبق «جورج دبليو بوش»، ولا أيا من الذين تورطوا فى جرائم الحرب لأية محاكمة.
فى الحرب العراقية جرائم الحرب ثابتة، لا افتراضية ولا دعائية لإحكام الحصار على موسكو فى المستنقع الأوكرانى دون أن تكون هناك حتى الآن وثائق وأدلة وقرائن تثبت وتؤكد، حسب رأى المحكمة الجنائية الدولية نفسها!، التى لم يطرح عليها الملف العراقى، بأية درجة أو من أية جهة!
فى بحور الدم العراقى سقطت الأقنعة وادعاءات الديمقراطية التى وعدوا بها.
تصادمت المقاومة الشرسة لقوات الاحتلال مع أوهام شاعت قبل الحرب أن الشعب العراقى سوف يقابل غزاته بأكاليل الغار!
بقوة الصور بدت الصدمة هائلة فى الرأى العام العالمى عام (2004) عند تكشف حجم الفظائع فى سجن «أبو غريب»، التى تضمنت قتلا تحت التعذيب واعتداء جنسيا، حتى أن جنديا أمريكيا صرخ: «لقد كرهت نفسى».
لعب الكاتب الصحفى الاستقصائى الأمريكى «سيمور هيرش» دورا رئيسيا فى كشف قدر الفظائع والانتهاكات وتقويض ادعاءات للرئيس الأمريكى «جورج دبليو بوش» عن الديمقراطية التى يبنيها.
اعتداءات مماثلة جرت فى معتقل «كروبر» قرب مطار بغداد الدولى لم يجر الالتفات إليها على أية وسيلة إعلامية حيث كان يعتقل الرئيس العراقى «صدام حسين» مع مائة من كبار معاونيه.
فى وثيقة خطية كتبها نائب الرئيس «طه ياسين رمضان» من داخل المعتقل، أرسلت إلى بيروت ومنها إلى القاهرة مؤتمنا عليها، نشرت نصها فى صحيفة «العربى» مطلع أكتوبر (2005)، دون أن يثير ذلك حفيظة أحد.
فى الوثيقة الخطية (14 صفحة) إشارات لاعتداءات بدنية على الرئيس العراقى ونائبه فور مغادرة قاعة المحكمة، التى شهدت رفضا منهما لتعريف هويتهما.
قيل إن «صدام حسين» ارتكب انتهاكات مماثلة، ربما أبشع، لتسويغ الاعتداء بالضرب والتعذيب على أركان حكمه.
أسقطت تلك الحجة، التى ترددت وقتها على نطاق واسع، أية فروق إنسانية مدعاة، وأية شرعية منتحلة لقوات الاحتلال.
فى مشاهد غير إنسانية وغير قانونية بأية معايير دولية جرى ضرب الرئيس العراقى ورفافه، وإجباره معهم على الزحف أرضا لمسافات طويلة، أو الجلوس شبه عراة إلا من دشداشة على الرأس لساعات طويلة.
عندما نقلوا إلى المحاكمة قيدت أياديهم وعصبت العيون، وسحبوا كقطعان غنم.
هكذا بالحرف كتب «طه ياسين رمضان».
كان التجاهل بالصمت نوع من التواطؤ على الحقيقة.
فى الحالة الأوكرانية بدا الإعلام الغربى كله صوتا واحدا ضد كل ما هو روسى، حتى أصبح لافتا لمرة نادرة أن يعترض صحفى ألمانى على فضائية عربية، لا فى صحافة بلاده، على «الخلط الفادح بين بوتين وبوشكين»، أو بين السياسة المتغيرة والثقافة الموروثة.
فى صراع الاستراتيجيات والمصالح انتهكت كل القيم والأعراف والقوانين الدولية بحرب العراق، ولم يجر الاحتكام إليها بأوكرانيا.
فى المرة الأولى، استغرق الأمر سنوات عديدة حتى تكشفت كل الحقائق والمآسى السياسية والاستراتيجية التى تبعت احتلال بغداد.
فى المرة الثانية، كانت الضحية الأولى هى الحقيقة نفسها، التى عندما تتكشف فإن العالم سوف يكتشف قدر ما تعرض له من خديعة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقاربات بين حربين مقاربات بين حربين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt