توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقاربات بين حربين!

  مصر اليوم -

مقاربات بين حربين

بقلم :عبد الله السناوي

تجرى مقاربات فى العالم العربى تتهم الغرب بممارسة الحد الأقصى من ازدواجية المعايير والتوغل فى العنصرية، إذا ما قورنت السياسات والمواقف فى الحرب الأوكرانية بما هو متبع فى قضايانا وحروبنا ومصائرنا.
بالنظر الإنسانى والأخلاقى فإنها مستحقة وجدارتها لا شك فيها بنصوص القانون الدولى، غير أنها بالوقت نفسه تكاد تقع فى وهم القياسات الخاطئة.
إنها حقائق القوة والاستراتيجيات والمصالح قبل وبعد كل شىء.
فى مثل هذه الأيام قبل (19) عاما سقطت بغداد، فككت دولتها واستبيحت مقدراتها وانتهكت حياة مئات الألوف من مواطنيها واضطرت مئات ألوف أخرى للنزوح عن ديارهم فى أسوأ ظروف إنسانية دون أن تمد يد عون من الغرب تخفف الآلام وتضمد الجراح، كما يجرى الآن بأريحية لافتة مع النازحين الأوكرانيين.
الوضع مختلف تماما والقياس مستحيل على أية قيم إنسانية، أو قانونية.
فى الحالة الأوكرانية، الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى وحلف «الناتو» أطراف مباشرة فى الحرب بتدفقات سلاح متقدم إلى ميادين القتال لاصطياد الدب الروسى فى حرب استنزاف طويلة وحروب مدن يصعب حسمها دون كلفة باهظة مع فرض عقوبات اقتصادية ومالية ورياضية وفنية لم يسبق لها مثيل فى التاريخ المعاصر.
بمعنى آخر، فإن أوكرانيا رهينة لصراعات قوى كبرى يتحدد وفق نتائجها وتداعياتها مستقبل النظام الدولى وموازين القوى المستجدة فيه، وليست مقصودة بذاتها.
وفى الحالة العراقية، الأطراف نفسها شاركت فى الحرب تحت قيادة أمريكية مباشرة لتوظيف حادث الحادى عشر من سبتمبر (2001) فى إعادة ترتيب الإقليم وهندسته من جديد بالتقسيم والتفكيك تحت لافتة «الشرق الأوسط الجديد».
عشية الحرب على العراق استخدم رئيس الوزراء البريطانى «تونى بلير» كل ما هو متاح من وسائل لتسويغها وردد أكاذيب وادعاءات عن امتلاك نظام «صدام حسين» أسلحة دمار شامل.
ثبت بيقين أنه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل، وأن التقارير الاستخباراتية التى تردد فحواها فى مجلس العموم البريطانى والكونجرس الأمريكى كانت كاذبة واستخدمت لخداع الرأى العام.
وثبت بيقين أنه لم تكن هناك أدنى صلة لنظام «صدام حسين» بتنظيم «القاعدة»، بل إن التنظيم وجد طريقه لبلاد الرافدين بعد احتلالها.
فى تلك الأيام ارتفعت أصوات عربية عديدة تحذر من بوابات الجحيم توشك أن تفتح، كان أول من أطلق ذلك التحذير أمين عام الجامعة العربية فى ذلك الوقت «عمرو موسى».
كان قرار الحرب قد اتخذ، ولم تكن هناك قوة ردع كافية لمنع الكارثة المحدقة.
الأسوأ أن نظما عربية عديدة كانت طرفا مباشرا فى الاستعدادات العسكرية اللوجيستية لغزو العراق، وشاركت بالتحريض عليه حسب شهادات متواترة وموثوقة.
لم يخضع «بلير»، كما الرئيس الأمريكى الأسبق «جورج دبليو بوش»، ولا أيا من الذين تورطوا فى جرائم الحرب لأية محاكمة.
فى الحرب العراقية جرائم الحرب ثابتة، لا افتراضية ولا دعائية لإحكام الحصار على موسكو فى المستنقع الأوكرانى دون أن تكون هناك حتى الآن وثائق وأدلة وقرائن تثبت وتؤكد، حسب رأى المحكمة الجنائية الدولية نفسها!، التى لم يطرح عليها الملف العراقى، بأية درجة أو من أية جهة!
فى بحور الدم العراقى سقطت الأقنعة وادعاءات الديمقراطية التى وعدوا بها.
تصادمت المقاومة الشرسة لقوات الاحتلال مع أوهام شاعت قبل الحرب أن الشعب العراقى سوف يقابل غزاته بأكاليل الغار!
بقوة الصور بدت الصدمة هائلة فى الرأى العام العالمى عام (2004) عند تكشف حجم الفظائع فى سجن «أبو غريب»، التى تضمنت قتلا تحت التعذيب واعتداء جنسيا، حتى أن جنديا أمريكيا صرخ: «لقد كرهت نفسى».
لعب الكاتب الصحفى الاستقصائى الأمريكى «سيمور هيرش» دورا رئيسيا فى كشف قدر الفظائع والانتهاكات وتقويض ادعاءات للرئيس الأمريكى «جورج دبليو بوش» عن الديمقراطية التى يبنيها.
اعتداءات مماثلة جرت فى معتقل «كروبر» قرب مطار بغداد الدولى لم يجر الالتفات إليها على أية وسيلة إعلامية حيث كان يعتقل الرئيس العراقى «صدام حسين» مع مائة من كبار معاونيه.
فى وثيقة خطية كتبها نائب الرئيس «طه ياسين رمضان» من داخل المعتقل، أرسلت إلى بيروت ومنها إلى القاهرة مؤتمنا عليها، نشرت نصها فى صحيفة «العربى» مطلع أكتوبر (2005)، دون أن يثير ذلك حفيظة أحد.
فى الوثيقة الخطية (14 صفحة) إشارات لاعتداءات بدنية على الرئيس العراقى ونائبه فور مغادرة قاعة المحكمة، التى شهدت رفضا منهما لتعريف هويتهما.
قيل إن «صدام حسين» ارتكب انتهاكات مماثلة، ربما أبشع، لتسويغ الاعتداء بالضرب والتعذيب على أركان حكمه.
أسقطت تلك الحجة، التى ترددت وقتها على نطاق واسع، أية فروق إنسانية مدعاة، وأية شرعية منتحلة لقوات الاحتلال.
فى مشاهد غير إنسانية وغير قانونية بأية معايير دولية جرى ضرب الرئيس العراقى ورفافه، وإجباره معهم على الزحف أرضا لمسافات طويلة، أو الجلوس شبه عراة إلا من دشداشة على الرأس لساعات طويلة.
عندما نقلوا إلى المحاكمة قيدت أياديهم وعصبت العيون، وسحبوا كقطعان غنم.
هكذا بالحرف كتب «طه ياسين رمضان».
كان التجاهل بالصمت نوع من التواطؤ على الحقيقة.
فى الحالة الأوكرانية بدا الإعلام الغربى كله صوتا واحدا ضد كل ما هو روسى، حتى أصبح لافتا لمرة نادرة أن يعترض صحفى ألمانى على فضائية عربية، لا فى صحافة بلاده، على «الخلط الفادح بين بوتين وبوشكين»، أو بين السياسة المتغيرة والثقافة الموروثة.
فى صراع الاستراتيجيات والمصالح انتهكت كل القيم والأعراف والقوانين الدولية بحرب العراق، ولم يجر الاحتكام إليها بأوكرانيا.
فى المرة الأولى، استغرق الأمر سنوات عديدة حتى تكشفت كل الحقائق والمآسى السياسية والاستراتيجية التى تبعت احتلال بغداد.
فى المرة الثانية، كانت الضحية الأولى هى الحقيقة نفسها، التى عندما تتكشف فإن العالم سوف يكتشف قدر ما تعرض له من خديعة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقاربات بين حربين مقاربات بين حربين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt