توقيت القاهرة المحلي 07:19:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البرهان وحمدوك.. من كسب ومن خسر؟

  مصر اليوم -

البرهان وحمدوك من كسب ومن خسر

بقلم: عبد الله السناوي

لم يكن الاتفاق السياسى، الذى عاد بمقتضاه «عبدالله حمدوك» إلى منصبه رئيسا لوزراء السودان، مفاجئا تماما، فالشارع الغاضب يدعو إلى عودته والقوى الدولية تضغط من أجل تلك العودة، والجيش نفسه لا يتحفظ على شخصه بل على من حوله.
ولم يكن ذلك الاتفاق إعلانا مصدقا بعودة الأمور إلى سابق عهدها قبل إقدام قائد الجيش «عبدالفتاح البرهان» على فض الشراكة بين المدنيين والعسكريين بالقوة.
نحن أمام تسوية اضطرارية تحت ضغط الداخل والخارج معا، عباراتها عامة والتزاماتها تحوطها تساؤلات قلقة عما قد يحدث تاليا.
أى استنتاج أننا أمام عملية استئناف للمرحلة الانتقالية بشراكة ندية وحقيقية بين المكونين المدنى والعسكرى فهو قفز بالأمانى المفرطة فوق الحقائق الماثلة.
لا المجلس السيادى الذى تشكل وفق آلية تشاركية سيعود، فهناك مجلس آخر جرى إعلانه من طرف المكون العسكرى وحده لا وفق الأسس التى نصت عليه «الوثيقة الدستورية»، ولا نقل رئاسته إلى شخصية مدنية وفق التزاماتها سوف يحدث!
كان منع نقل رئاسة المجلس السيادى إلى شخصية مدنية مكسبا حقيقيا لقائد الجيش «البرهان»، لا يمكن إغفال دلالته ورسائله فى صراعات القوة والنفوذ.
بنص الاتفاق السياسى بين «البرهان» و«حمدوك» فإن عودة رئيس الحكومة إلى منصبه تتعلق به وحده، فالحكومة الانتقالية قد حلت، ولا مجال لعودتها.
بترجمة سياسية فإن ذلك معناه أن «قوى الحرية والتغيير»، رافعة ثورة ديسمبر (2019)، لن يكون لها دور حقيقى أو شبه حقيقى فى تشكيل أية حكومة مقبلة.
بصياغة أخرى، فإن الاتفاق يلغى ما نصت عليه الوثيقة الدستورية من دور جوهرى لـ«قوى الحرية والتغيير» فى تشكيل المجلس التشريعى، المخول بوضع الدستور وقانون الانتخاب.
هكذا ألغى أحدى أهم ركائز الشراكة بين المدنيين والعسكريين وفرغت فكرة الشراكة نفسها من جوهرها.
ما هو مطروح الآن على «حمدوك» أن يشرع فى تشكيل «حكومة كفاءات» دون أن يكون ملزما بأية مشاورات لها صفة الجدية مع «قوى الحرية والتغيير»، التى رشحته ودفعت به إلى رئاسة الحكومة عقب الثورة.
إنه تقليص الحضور السياسى والتنفيذى لـ«قوى الحرية والتغيير»، الطرف الآخر فى إقرار وتوقيع «الوثيقة الدستورية» مع المكون العسكرى.
الصياغة الفضفاضة أوحت ولم تجزم انتظارا للتفاعلات والضغوطات المحتملة.
دعا الاتفاق السياسى إلى تشكيل «حكومة كفاءات» «مع المشاورة ببقية القوى السياسية عدا حزب المؤتمر الوطنى».
تعبير «مع المشاورة» لا يعنى شيئا محددا أو ملزما، الصياغة تعنى كل شىء ولا شىء.
لو استخدم البيان السياسى عبارة «بالتشاور» لكان أكثر إلزاما ووضوحا نسبيا.
كان استبعاد الحزب الحاكم السابق على عهد «عمر البشير» فى أى حوار مفترض عند تشكيل الحكومة رسالة إلى الداخل أنه لا عودة للماضى، ورسالة ثانية إلى الإقليم أنه من غير الوارد عودة «الإخوان المسلمين» بداعى توفير غطاء شعبى تحتاجه القوة العسكرية إذا ما حدث طلاق نهائى مع القوى المدنية.
كان إطلاق سراح جميع الوزراء والسياسيين المعتقلين منذ فض الشراكة بالقوة يوم (25) أكتوبر أفضل ما ينسب إلى ذلك الاتفاق السياسى، الذى نص فى ذات السياق على التحقيق العادل والشفاف فى جميع الأحداث التى جرت أثناء التظاهرات من إصابات (للمدنيين والعسكريين) وتقديم الجناة إلى المحاكمة.
لم يكن ذلك التعهد بصياغته المراوغة قابلا للتصديق بالنظر إلى السوابق التى حجبت حقائقها، ولم تجر أية محاكمات للمتورطين فيها، لكنه بدا ضروريا لتسويغ الاتفاق عند الرأى العام باعتباره وقفا لنزيف الدماء والتزاما بالعدالة.
فى جولة الاتفاق السياسى فاز «البرهان» بالنقاط، لا بالضربة القاضية، فالصراع ما زال على الحلبة.
الكلام على مرجعية «الوثيقة الدستورية» بالألفاظ المراوغة تأكيد على أنها الشرعية الوحيدة فى البلد، وهذا مكسب معنوى يستدعى التمسك به والاحتكام إليه.
والكلام عن استئناف المرحلة الانتقالية بألفاظ مراوغة أخرى تأكيد إضافى على استحالة تجاوز استحقاقاتها، هذا مكسب معنوى ثان صاحبة الفضل الأول فيه مليونيات الشوارع.
فى محاولة لتسويغ الاتفاق وصفه «حمدوك» بأنه «يضع الأسس الصحيحة للمرحلة الانتقالية».
كان ذلك تجاوزا للحقائق ونصوص الاتفاق نفسه وحدود الدور الذى سوف يلعبه فى المستقبل.
إثر إعلان الاتفاق انقسمت صفوف القوى المدنية وخفتت التظاهرات الاحتجاجية، هناك من وصفه بأنه «خيانة تمنح الانقلاب غطاء سياسيا»، وهناك من أيده ودعمه وتفهم ظروفه ودواعيه.
النزاع المحتمل بين «رفاق الماضى القريب» يضعف بوقت واحد الحكومة المقبلة والقوى المدنية الغاضبة.
لا الحكومة بوسعها أن تكون شريكا حقيقيا فى السلطة تتولى وحدها المهام التنفيذية على ما تنص الوثيقة الدستورية التى يقال الآن إنها مرجعية الحكم، إذا لم يكن هناك سند شعبى قوى وحاضر.
ولا القوى المدنية بوسعها أن تحافظ على حضورها وتأثيرها إذا لم تكن مقنعة للشارع الغاضب أن لديها خطة عمل تتجاوز شعار: «لا تفاوض ولا شرعية».
قد يحاول «حمدوك» أن يستثمر فى الدعم الدولى لترسيخ دوره وتوسيع نفوذه، وأن يعمل بالوقت نفسه على تخفيض فاتورة تراجع شعبيته دون أن يدخل فى صدام جديد مع المكون العسكرى.
فى التوازنات الحرجة بين «البرهان» و«حمدوك» يتبدى لاعبان كبيران على مقدمة المسرح السياسى.
الأول ــ الشارع الغاضب الذى يبحث دون كلل عن رفع مستوى معيشته وتحسين أحواله الاقتصادية وفتح صفحة جديدة للسلام الداخلى فى ربوعه الممزقة، وهو مستعد كما أثبت ذلك فى انتفاضاته وثوراته المتعاقبة لأية تضحيات.
والثانى ــ الضغوط الدولية، التى تجلت فى الأزمة الأخيرة كعامل رئيسى فى الاتفاق السياسى.
لم يكن أحد فى العالم مستعد أن يتحمل تكاليف انفجار الوضع فى السودان، إذ إنه قد يفضى إلى انهيارات أوسع تتجاوزه إلى ما حوله فى القرن الإفريقى وعند منابع نهر النيل فى إثيوبيا التى تقف على حافة هاوية التقسيم.
كان الترحيب الأمريكى الحذر بالاتفاق تعبيرا عن خشية انفجار الشارع مجددا، فتنقلب المعادلات الاستراتيجية فى القرن الإفريقى كله.
الأطراف المتداخلة فى الأزمة السودانية تحاول بقدر استطاعتها أن تنظر إلى المستقبل المنظور وما قد يحدث فيه، والسؤال الذى يطاردها جميعها: كيف تتصرف وفق مصالحها بما لديها من أوراق قوة وضغط؟
هذا هو سؤال اللحظة فى السودان المأزوم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البرهان وحمدوك من كسب ومن خسر البرهان وحمدوك من كسب ومن خسر



GMT 06:27 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

لأقصر عند الإخوان والأقصر الآن

GMT 06:25 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

لفّ وارجع تاني

GMT 06:23 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مفتى الطريق الصحراوى

GMT 06:21 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

الجمهورية الجديدة

GMT 06:19 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تأملات في «غزل البنات»

نوال الزغبي تتألق في فساتين سهرة جريئة وأنيقة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

جينيفر لوبيز تسجل أفضل إطلالة في حفل CFDA
  مصر اليوم - جينيفر لوبيز تسجل أفضل إطلالة في حفل CFDA

GMT 14:48 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

جبل الملح في بورسيعد مزار سياحي ذو طبيعة خلابة
  مصر اليوم - جبل الملح في بورسيعد مزار سياحي ذو طبيعة خلابة

GMT 16:22 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

الأخضر يسيطر على موضة ديكورات 2022 الداخليّة
  مصر اليوم - الأخضر يسيطر على موضة ديكورات 2022 الداخليّة

GMT 20:46 2021 الثلاثاء ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

شكري يؤكد أن مصر ستطبع العلاقات مع تركيا اذا غيرت المسار
  مصر اليوم - شكري يؤكد أن مصر ستطبع العلاقات مع تركيا اذا غيرت المسار

GMT 23:00 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

حفيظ دراجي يرد على إسرائيلي بعد تطاوله على الجزائر
  مصر اليوم - حفيظ دراجي يرد على إسرائيلي بعد تطاوله على الجزائر

GMT 08:44 2021 الإثنين ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

صيحات جمالية عالمية من وحي النجمات
  مصر اليوم - صيحات جمالية عالمية من وحي النجمات

GMT 15:47 2021 الأحد ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار لتجنب الأخطاء في اختيار الستائر للمنزل
  مصر اليوم - أفكار لتجنب الأخطاء في اختيار الستائر للمنزل

GMT 01:43 2021 الثلاثاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السيسي يشدد على موقف مصر من قضية سد النهضة
  مصر اليوم - السيسي يشدد على موقف مصر من قضية سد النهضة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 12:29 2021 الأحد ,20 حزيران / يونيو

مصر تواجه ظاهرة التصحر في 4 خطوات

GMT 20:33 2020 الخميس ,24 كانون الأول / ديسمبر

ماكلارين تدشن سياراتها الخارقة MCLAREN SABER

GMT 04:32 2020 الخميس ,24 كانون الأول / ديسمبر

شبيهة فتاة سقارة تثير الجدل بجلباب مفتوح

GMT 02:53 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

سكان مدينة بالاسور الهندية يكتشفون سلحفاة صفراء نادرة

GMT 07:46 2020 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

إيطاليا تدشن تطبيقًا لتتبع مصابي كوفيد-19

GMT 18:46 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

ارتفاع وفيات فيروس كورونا في روسيا إلى 1169

GMT 08:18 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

اشتري iphone 7 جديد بـ2000 جنيه

GMT 08:10 2018 الأحد ,21 كانون الثاني / يناير

نسرين طافش تهرب من الشتاء وتقضي إجازتها في سريلانكا

GMT 12:58 2021 الأربعاء ,29 أيلول / سبتمبر

أعراض زيادة الأملاح في الجسم وطرق علاجها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon