توقيت القاهرة المحلي 06:42:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وديعة هيكل

  مصر اليوم -

وديعة هيكل

بقلم :عبد الله السناوي

أخيرا.. استقرت وديعته فى مكتبة الإسكندرية، أوراقه ووثائقه، مراسلاته ومقتنياته.
كل شىء يحاكى مكتبه الشخصى، كأنه فى موضعه المعتاد، لكن لم يكن ممكنا أن يطل هو نفسه على ما جرى إنجازه وحلم به طويلا وكثيرا.
لسنوات طويلة ساورته مخاوف وشكوك من أن تصل يد التخريب المتعمد إلى وثائقه وأوراقه، حفظها مرتبة بصورة تسهل استدعاء ما يريد منها عند الحاجة إليها، فكل وثيقة مرقمة فى مجموعتها، وكل قائمة محفوظات تشير إلى ما فيها.
اتجه تفكيره مرة بعد أخرى، عقدا بعد آخر، أن يكون مستقرها فى مؤسسة مصرية مثل «جامعة القاهرة»، أو «دار الكتب»، لكنه لم يكن مطمئنا إلى أنها سوف تكون بعيدة عن انتقام السلطات، أو محاولات تخريبها بصورة أو أخرى.
فكر فى الاستجابة لدعوة من مؤسسة «الأهرام» لاستضافة ذخائره من وثائق وأوراق، وجرت اتفاقات عصفت بها تغييرات فى رئاسة المؤسسة العريقة، ولم يكن يريد أن يضع ما لديه فى مهب التحولات.
مع أسبابه للقلق على سلامة الأوراق والوثائق مال إلى أن تظل فى مأمنها، وكتب وصية سجل فيها بالتفاصيل ما يتعين فعله والضمانات الضرورية لحفظ أمانتها إلى أجيال جديدة.. غير أن ضغوطا تصاعدت عليه من مقربين وأصدقاء وداخل أسرته دعته أن يحسم موقع مؤسسته ومستقر أوراقه ووثائقه فى حياته ولا يحيل عبء مسئوليتها لمن بعده.
فى نوفمبر (٢٠٠٥) تصور أن هناك فرصة لإتاحة أوراقه ووثائقه ومكتبته التى تضم عشرات آلاف الكتب أمام الباحثين والصحفيين وكل من يطلب أن يطل على تاريخ بلاده موثقا.
خفتت مخاوفه رغم انتقاداته المطردة للحكم، التى زادت درجة حدتها منذ محاضرة الجامعة الأمريكية الشهيرة فى أكتوبر (٢٠٠٢)، التى تطرق فيها إلى سيناريو «التوريث» وضرورات التحول الديمقراطى، إذ بدت السلطة مشغولة بما بعد رئيسها وهاجسها مشروع التوريث والتاريخ بوثائقه لا يعنيها.
بصياغته: «لم أعد معتقدا أن ورقى مطارد».
استقر تفكيره على إيداعها فى مؤسسة تحمل اسمه وذهب إلى نقابة الصحفيين لاستئجار دور كامل يخصصه لوثائقه وأوراقه وظنه أنها سوف تكون متاحة أمام الأجيال الجديدة من الصحفيين عند ترددهم على نقابتهم، لكنه بعد أن قام بتسديد قيمة التعاقد تنازل عنها للنقابة التى ينتسب إليها وتراجع عن الفكرة، خشية أن يجد أوراقه ووثائقه وكتبه فى مرمى الاشتباكات المتكررة بمحيط شارع «عبدالخالق ثروت»، الذى يضم إلى نقابة الصحفيين نقابة المحامين ونادى القضاة.
أخذت الفكرة تبحث عن مكان آخر أكثر أمنا لسلامة وديعته للأجيال القادمة.
فى ذلك الوقت كتب على ورق تصوراته لـ«مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية»، التى قرر أن تضم كل ما لديه من وثائق ومحاضر وأوراق وكتب.
بعد ثورة «يناير ٢٠١١» طرحت عليه أسرته أن يكون بيته الريفى فى «برقاش» مقرا لمؤسسته، استمع لما عرض عليه من «أصحاب الحق فى الإرث» مدركا «أن المسألة أكبر من أن تكون تركة أو إرثا»، لكن العرض دعاه أن يحسم موضع الوثائق والمؤسسة معها متصورا أن «المكتبة ينبغى أن تظل فى مكانها ببرقاش لا تنقل لمكان آخر».
أعدت التصميمات لإحالة مزرعة «برقاش» كلها إلى الخدمة العامة ووضعت وقفية قيمتها (5) ملايين دولار تحت تصرف المؤسسة والقائمين عليها.
انتابه قلق من المكان عندما طلب أن ينظر فى صور «جوجل إرث» للمنطقة المحيطة.
«لم تكن الصور مطمئنة وحزام القلق الاجتماعى ظاهر عليها».
طمأن نفسه بأن «المنارات الفكرية فى أحزمة القلق الاجتماعى تكسبها شيئا من التنوير وإطلالا مختلفا على عوالم جديدة».
ما إن بدأ يطمئن إلى اختياره الأخير الذى قطع فيه زمنا طويلا، حتى فاجأته جحافل الظلام يوم فض اعتصامى «رابعة» و«النهضة» تنقض بقسوة لم يتحسبها ولا خطرت على باله فى أكثر الاحتمالات سوداوية وتشاؤما.
دمرت تماما النسبة الأكبر من وديعته.
تصدق فى قصة وثائقه وأوراقه الحكمة العربية المتوارثة «الحذر لا يمنع قدر».
بعد ست سنوات على رحيله استقرت أوراقه ووثائقه وكتبه، أو ما تبقى منها، فى مكتبة الإسكندرية، التى كانت قد طرأت على تفكيره فى رحلة البحث عن مستقر لوديعته.
مما هو لافت رمزية توقيت افتتاح معرضه الوثائقى مع مرور (80) سنة بالضبط على أول مهمة صحفية لشاب فى التاسعة عشر من عمره عند حافة الحياة والموت فى حرب العلمين.
بدت تجربته فى تغطية الحرب، كنقش على حجر، وكان الدرس الأول الذى تلقاه من «هارولد إيريل» رئيس تحرير «الأجيبشيان جازيت»، التى التحق بها للتدرب: «لا ترسل أخبارا، حاول أن تستقصيها وتكتشف خباياها بقدر ما تستطيع، لا نتوقع منك أن تنافس مراسلى الصحف والوكالات الدولية، الظروف لن تمكنك من أن ترسل ما تحصل عليه فى برقيات، والحل الوحيد أمامك، وهذا ما نطلبه منك أن تدون ملاحظاتك على ما ترى فى ميادين الحرب وسير معاركها، وأن تسجل انطباعاتك على ورق أولا بأول على وقع ما يجرى أمامك.. وعندما تعود حاول أن تضبط صياغاتها من دون أن تفقدها حيويتها وطزاجتها التى كانت عليها، فالمادة المكتوبة على صياغتها الأولى فى وقتها أكثر حياة مما يكتب بعدها».
وهو يراجع تجربته قال لى ذات حوار: «هذه قاعدة ثبت أنها سليمة، وسليمة تماما».
استقرت عنده مبكرا أهمية التدوين، أولا بأول لما يشاهد ويتقصى من أخبار ومعلومات، أن يرتبها بطريقة منظمة تسهل أن يستدعيها فى أى وقت.
وفى تغطياته لحروب وصراعات أخرى، فلسطين وكوريا والبلقان وإيران، تأكدت عنده أهمية الوثيقة كسند للرواية التاريخية والصحفية معا.
وديعته تعطى لمحة موثقة عن مصر ما بين عامى (1952) بجوار «جمال عبدالناصر» و(1974) حين افترقت الطرق والسياسات مع «أنور السادات» ولمحة عميقة أخرى عنه شخصيا، كيف عمل؟.. ولماذا نجح؟
كان يدرك أن الذاكرة الإنسانية، مهما بلغت من قدرة على استعادة الأحداث والوقائع، لها حدود، ثم إن الزمن يلعب دوره بما يؤثر على صدق الرواية، وكان تقديره أن أهم ما عنده هو مجموعة أوراقه الشخصية التى سجل فيها بخط يده ما رأى وما سمع ــ «شبه مفكرات وليست مذكرات».
بصياغته: «لم أترك ما مر أمامى يضيع وإنما حاولت أن أسجله موثقا».
«لا أتصور أن ذلك يحمل مظنة أى نوع من أنواع الاحتكار للحقيقة، فما أتيح لى كان متاحا لغيرى، فى مثل ظروفى، وكان الفارق الوحيد أن الكتابة فى يوم من الأيام كانت ــ بحكم المهنة ــ فى خواطرى ولم يكن الأمر كذلك لغيرى، وإنما طرأ فيما بعد لسبب أو لآخر».
طوال الوقت طاردته الأسئلة عن مصير ما لديه من وثائق، كتب وألح كثيرون على عودتها إلى مصر، وهو نفسه فى مقدمات مجموعة كتبه عن حرب الثلاثين عاما فى طبعاتها الجديدة أخذ يتحدث عن الوثائق بمداخلات مختلفة، قبل أن يعترف أخيرا بأنها باتت عبئا على مشاعره.
كانت المفاجأة الكبرى بعد رحيله أن وثائقه وأوراقه لم تتحرك يوما من «برقاش»، لا ذهبت إلى لندن ولا أى مكان آخر خارج مصر، كانت تحت البصر طوال الوقت فيما المثقفون يطرحون سؤالهم الملح: «متى تعود أوراق هيكل؟».
فى ذلك الوقت عرضت جامعة «أوكسفورد» البريطانية شراء مجموعة أوراقه الخاصة، التى تضم وثائق مهمة للدولة المصرية، ومن تقاليدها السعى وراء مجموعات الوثائق والأوراق الخاصة لشخصيات دولية لعبت أدوارا بارزة فى التاريخ الإنسانى المعاصر، بما يضفى قيمة مضافة على مكتبتها.
جرت العادة فى الجامعة العريقة أن تقدر القيمة المالية لمجموعات الوثائق والأوراق بما تحتويه من معلومات غير متوافرة وبما تغطيه من فترات تاريخية واسعة.
وقد قدرت «أوكسفورد» قيمتها بـ(٣) ملايين جنيه إسترلينى، غير أنه اعتذر عن قبول هذا العرض شاكرا لأصحابه فضل الاهتمام والتقدير بما لديه من وثائق وأوراق شخصية، وكان اعتقاده أن
مصر، وليس بلدا آخر غير مصر، المكان الطبيعى والمستقر النهائى لوثائقه وأوراقه، التى احتفظ بها لسنوات محفوظة ومصانة خشية أن تتدخل تعقيدات السياسة بما قد يَحرم أجيالا قادمة من حق الاطلاع على وثائق حقبة تاريخية مهمة ومفعمة بالتحولات والحروب والأحلام والكوابيس.
كانت صدمته هائلة، وهو يرى ويعاين حجم التدمير فى المكان، وأن ما احتفظ به من ذخائر أمانة لأجيال قادمة كادت أن تتبدد تماما.
لم يحصر فى حياته، ولا كان فى طاقته الإنسانية أن ينظر بالتفاصيل فيما أحرق أو لم يحرق، وقد تكفلت بالمهمة الشاقة بعد رحيله حرمه السيدة «هدايت تيمور».
أرادت بتفانٍ أن تحقق ما حلم به دوما أن تودع وثائقه وأوراقه تحت نظر الباحثين والصحفيين وكل من يطلب حقيقة ما جرى فى مصر من تحولات وعواصف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وديعة هيكل وديعة هيكل



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt