توقيت القاهرة المحلي 09:55:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مراجعات فى حرية الصحافة!

  مصر اليوم -

مراجعات فى حرية الصحافة

بقلم :عبد الله السناوي

«حان الوقت لضرب الصحفيين بالأحذية!»
كان ذلك تعبيرا منفلتا على لسان قيادات نافذة فى نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» ترددت أصداؤه بالفعل ورد الفعل فى أكتوبر (2007).
بدت تلك العبارة بحمولتها المسمومة تدنيا خطيرا فى لغة الحوار وكاشفة بالوقت نفسه عن أزمات معلنة ومكتومة توشك أن تنفجر.
«عصبية النظام وميله إلى العنف والتلويح به فى مواجهة حرية الصحافة تعبير عن أزمة استنفاد شرعيته وزمانه، وأنه بات عبئا ثقيلا على ضرورات التغيير الديمقراطى الواسع، فالنظم الواثقة من نفسها ومن شعبها تحاور وتبحث عن قواعد مشتركة يمكن القبول بها، لا أن تهدد برفع الأحذية والضرب بها»، كما كتبت وقتها على صفحات جريدة «العربى».
لسنوات طويلة بدا نظام «مبارك» مستعدا لدفع فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد أنها تساعد على تحسين صورة النظام وتخفف الضغوط الدولية عليه.
لمرات عديدة اصطحب مسئولون كبار فى زياراتهم للولايات المتحدة، من بينهم «جمال مبارك» نجل الرئيس، نسخا من صحف المعارضة ليثبتوا بها اتساع هامش الحريات الصحفية، وإن كل شىء قابل للنقد بما فى ذلك رئيس الجمهورية.
سرى اعتقاد واسع فى أوساط السلطة أن النظام هو أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية، بظن أنها محدودة فى صحف بعينها، وأن الصحافة القومية يمكن أن تضبط الإيقاع، غير أن تلك الصورة تبددت، فالصحافة القومية بدت وقتها كأفيال تذهب إلى مقابرها، العوالم اختلفت مع ثورة المعلومات، واحتياجات المجتمع توسعت وتعقدت، ولم يعد ممكنا السيطرة عليها بالطرق التقليدية.
فى خريف (2010) تأكدت المخاوف من أننا أمام انقضاض واسع محتمل على هامش الحريات الصحفية والإعلامية فى مصر، فرغت منابر صحفية من أدوارها المعارضة بصفقات رجال أعمال وأغلقت منصات فضائية.
كان ذلك تطورا خطيرا افتقد الحد الأدنى من الرشد السياسى.. فالحريات الصحفية والإعلامية ضمانة عامة تحصّن المجتمع ضد العنف والانخراط فيه، وتعطيه أملا فى التغيير السلمى الآمن.
الحوار – مهما كان صاخبا وحادا – فإنه يجرى بالعلن، لغته التغيير السلمى وقضيته الإصلاح السياسى والدستورى، ومادته قضايا الناس الحياتية.
عندما تقلصت الحريات الصحفية بعض الشىء بقبضة السلطة ، غامت الرؤية فى البلد، وبدأت السيناريوهات الأخرى تتفاعل فى المجهول.
تجاورت فكرتان متناقضتان على نحو مربك فى أروقة السلطة العليا.
الأولى، تعتقد أن نظام الحكم المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية، وأن الهامش الواسع من الحرية العرفية مكّنه من كسب الرهان على البقاء لسنوات إضافية.
والثانية، ترجع أزمات النظام المستحكمة إلى الإعلام، لا السياسة.
بصياغة واضحة قال وزير الإعلام «أنس الفقى»: «نظام الحكم هو المستفيد الأول من الحريات الصحافية والإعلامية».. لكنه فى أوقات لاحقة عبّر عن الفكرة العكسية بصراحة مماثلة عندما تبنى مشروعات تقيد الحريات الفضائية العربية، كأن المشكلة فى الإعلام لا فى السياسة نفسها.
قيل وقتها إن الأزمات يضخمها الإعلام ويثير حولها المشاعر العامة، بينما يتجاهل إنجازات «مبارك» ينتقدها ويسخر منها.
قرب نهاية نظام «مبارك» قال الدكتور «محمود محيى الدين» وزير الاستثمار الأسبق فى جلسة ودية ضمتنا بأحد فنادق القاهرة: «مشكلتنا فى الإعلام».. عندما علت الدهشة الوجوه أخذ يشرح فكرته بقدر من التوسع.. فالإعلام الرسمى مقصّر، والإعلام المعارض والخاص أكثر تأثيرا، وأنه إذا توافرت الكفاءات المهنية فى الصحف القومية فإن الصورة يمكن أن تتغير، والرأى العام يمكن أن يقتنع.
قلت: «هناك قاعدة إعلامية تقول: أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع».. لكنه لم يكن مقتنعا بأن السياسة المصرية غير مقنعة!
ما بين الفكرتين تناقضت المواقف وارتبكت السياسات.
فى الفكرة الأولى، بدا وزير الإعلام متأثرا بما شاع وقتها فى دوائر السلطة العليا من أن الحرية النسبية فى تداول المعلومات والأفكار والآراء عبر المنابر الإعلامية المختلفة أدت إلى إفساح شىء من الأمل فى الإصلاح السياسى والدستورى والانتقال السلمى للسلطة.. واستبعاد أى احتمالات وسيناريوهات تتبنى الوسائل العنيفة فى التغيير.
هذه الفكرة أفضت إلى تبنى بعض التوجهات الإعلامية الجديدة، من بينها اتجاه المجلس الأعلى للصحافة برئاسة «صفوت الشريف» للموافقة على كل إصدارات الصحف الجديدة التى عرضت عليه وفق القانون، واتجاه وزير الإعلام نفسه لمنافسة الفضائيات الخاصة بأساليبها، وتوسيع هامش الحرية فى برامج التلفزيون المصرى بصورة محدودة لكنها ملموسة.
وفى الفكرة الثانية، بدا الوزير نفسه بتأثير الضيق المتزايد فى الدوائر العليا ذاتها من الحريات الصحفية والإعلامية.. وللضيق منطقه، الذى يميل إلى تصوير حرية الصحافة عدوا لدودا يتربص بالحكم ويعمل على اغتياله معنويا.
بدا ذلك المنطق مزدوجا.. فهو انتقادى للإعلام الرسمى، وانتقامى من الإعلام الخاص، الذى أخذ يتعرض لضغوط متصاعدة على رجال الأعمال الذين يمتلكون وسائله صحفا وفضائيات.
هكذا تجلت هشاشة صيغ الملكية لوسائل الإعلام الخاصة، ونقاط الضعف الجوهرية فيها.. فالحرية النسبية تقابلها ملفات رجال الأعمال، وأوجه الخلل والتجاوز فيها تحت يد الدولة تساوم وتضغط بها وقت اللزوم، وتلوح بالعقاب الصارم، وتملى إرادتها، إلى حد أن بعض الجهات أخذت توجه بعض مذيعى الفضائيات وهم على الهواء مباشرة لأسئلة معينة، أو تمنع الخوض فى ملفات بعينها!
كان ذلك وضعا مزعجا، انتقص من الحريات الإعلامية ووضع صدقية البرامج الفضائية تحت مقصلة الرأى العام.
حدثت مشادات بين قيادات إعلامية ومقدمى برامج، الطرف الأول يملى، والطرف الثانى يحاول أن يحافظ على احترامه لنفسه.
ثم نشأ تطور خطير ينال من الحريات الإعلامية، بمشروع قانون «تنظيم البث المسموع والمرئى»، الذى استدعى مخاوف العودة للرقابة على وسائل الإعلام، وفرض السيطرة الكاملة للدولة وأجهزتها عليها.
فى حيرة النظام بين الانفتاح على الحريات الصحفية وأحاديث الأحذية داهمته العواصف فى «يناير» (2011).
لم تكن الحريات الصحفية والإعلامية المتسعة لحدود غير مسبوقة فى سنوات «مبارك» الأخيرة منحة من أحد، ولا هدية مجانية هبطت على صالات التحرير واستديوهات الفضائيات.
كما لم تكن هى من أطاحت بالنظام فى النهاية، فقد لقى مصيره بانسداد القنوات السياسية والاجتماعية وإغلاق أبواب الأمل فى أى إصلاح سياسى من داخله.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مراجعات فى حرية الصحافة مراجعات فى حرية الصحافة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt