توقيت القاهرة المحلي 17:20:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحقيق سياسى فى واقعة اغتيال!

  مصر اليوم -

تحقيق سياسى فى واقعة اغتيال

بقلم :عبد الله السناوي

لم يخطر ببال السفير المصرى «إيهاب الشريف»، وهو يتلقى التعليمات بالتوجه إلى بغداد، أنه على موعد مع الجحيم.

كان رجلا به لمسة فنان يعشق التصوير الفوتوغرافى، لكنه لم يتوقع أن تكون صورته الأخيرة ملتقطة بكاميرا فيديو: وجه مغمى بعصابة قماش لا تخفى فزع موت وترقب نهاية بطلقة رصاص على رأس، أو ضربة سكين على رقبة.
كانت بغداد «الرحلة الأخيرة» فى حياة سفير يهوى أدب الرحلات والكتابة عن الأماكن التى يزورها بحكم عمله الدبلوماسى، لعله تصور – للحظة – أنه فى رحلة اعتيادية لبلد أراد أن يكتشف بنفسه معالمه، فخرج لشراء صحف بدون حراسة كافية وإجراءات أمن.
هكذا تضافرت عناصر المأساة وتصاعدت بسرعة لأيام رعب تحت تهديد سلاح فى يد جماعات قتل لا ترحم انتهت بطلقة رصاص فى (6) يوليو(2005).
لم يكن لمصر أية مصلحة فى إضفاء نوع من الشرعية على سلطة سياسية جاءت بها قوات احتلال.
بضغوط مارستها وزيرة الخارجية الأمريكية فى ذلك الوقت «كونداليزا رايس» على الرئيس المصرى الأسبق «حسنى مبارك» فى منتجع «شرم الشيخ» جرى إرسال السفير الجديد لبغداد.
قيل إن وجوده يساعد على تدعيم «العملية السياسية»، فيما كان المقصود إضفاء غطاء عربى على حكومة عراقية انتقالية تحت سلطة الاحتلال، حتى تحتذى الخطوة نفسها دول عربية أخرى.
لم تكن أطراف عديدة فى الخارجية المصرية، بتقاليدها وأعرافها، مستريحة للإقدام على تلك الخطوة فى توقيتها ودواعيها.
لم يكن خيارا صحيحا توريط مصر فى المستنقع العراقى، غير أن «مبارك» وجد فى طلب «رايس» فرصة سانحة ينتظرها لتخفيف الضغوط الأمريكية فى ملف الإصلاح السياسى.
أعتقد أن لعب دور فى العراق قد يكون أكثر محورية للإدارة الأمريكية من ملفات الإصلاح السياسى.
بتعبير لافت سمعته من الدكتور «أحمد نظيف» رئيس مجلس الوزراء مع عدد من رؤساء تحرير الصحف المصرية قبل زيارة لواشنطن: «الإدارة الأمريكية فى عرض ما يساعدها على الخروج من المستنقع العراقى».
هكذا سارعت وزارة الخارجية فى إرسال سفير جديد على عجل إلى بغداد.
كانت أقدار السفير «إيهاب الشريف» أن يدفع حياته كلها ثمنا لسياسة خاطئة رهنت الأمن القومى لمقتضيات البقاء على مقاعد السلطة.
رغم ذلك لم يكن هناك أى دور مصرى ملموس يعتد به فى التعقيدات السياسية العراقية بعد الاحتلال.
فيما تكشف من محاضر سرية لمجلس الحكم الانتقالى، حضر بعضها السفير الأمريكى «بول بريمر» وقادة عسكريون أمريكيون، لم ترد كلمة واحدة، أو إشارة عابرة عن مصر.
ولم يكن أحد فى الولايات المتحدة مستعدا أن يستمع لنصائح الرئيس المصرى، التى لا يكف عن ترديدها بمناسبة، أو بغير مناسبة.
فى لقاء مغلق مع عدد من المثقفين المصريين عقد بالقصر الجمهورى على هامش معرض القاهرة الدولى للكتاب، وكان الحدث العراقى ملتهبا بشراراته الأولى، روى «مبارك» أنه اقترح على الأمريكيين عدم حل الجيش العراقى، معتبرا أن ذلك سوف يؤدى إلى انفلات أمنى وغياب أية قدرة على السيطرة.
فيما نصح به تشكيل مجلس عسكرى من رتب لواء وعميد لإدارة الدولة العراقية فى مرحلة ما بعد «صدام حسين».
لم يكن الرفض الأمريكى لمثل تلك النصائح تقديرا متسرعا من إدارة «جورج دبليو بوش» وفق الأهداف التى وضعها لاحتلال العراق، ومن بينها تدمير أية مقومات قوة قد تسمح مستقبلا لهذا البلد بلعب دور إقليمى محورى فى المنطقة.
نسبت شهادات أمريكية إلى «مبارك» أدوارا عملت على تسهيل الغزو وتوفير غطاء عربى له.
حسب الكاتب الأمريكى الشهير «بوب ودورد» فإنه نقل للإدارة الأمريكية أن لديه معلومات استخباراتية عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تتحرك على عربات متنقلة حتى لا تصل إليها لجان التفتيش الدولية.
قصة «مبارك» و«صدام» تتناقض بداياتها مع نهاياتها، من التحالف الإقليمى، وهو من أسباب عودة الجامعة العربية إلى مصر فى أعقاب صعود «مبارك» للسلطة، إلى التحريض الخفى فى الحرب على العراق.
كان لافتا فى مداخلات «مبارك» أمام الكاميرات، أو فى الجلسات المغلقة مع أعداد محدودة من المثقفين أو رؤساء التحرير، تجاهله لأية حجج سيقت عن غياب الديمقراطية فى العراق لتسويغ غزوه.
كان يرى ــ بنص كلامه بعد احتلال بغداد مباشرة ــ أن العراق لا يمكن أن تحكمه غير قبضة حديدية كقبضة «صدام».
فيما روى أن الرئيس العراقى صحبه ذات مرة فى جولة بالسيارة داخل شوارع بغداد، كان يقود السيارة بنفسه وهو بجانبه.
عندما وصلا إلى شارع الرشيد، قال «صدام» لضيفه: «عند هذه الزاوية كنت أقف ومعى سمير النجم، بالسلاح أثناء محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم».
كان استنتاج «مبارك» أن العنف من طبيعة العراقيين وأن ذلك البلد يستحيل حكمه بغير القبضات الحديدية متأثرا بانفراط العقد العراقى وكتل النار التى انفجرت فيه.
لم يحمل الاحتلال أية مسئولية.
بدا ذلك تعسفا فى إصدار الأحكام.
الاستنتاج نفسه يعفى «صدام» من أية أخطاء وخطايا ارتكبت، وينزع عن «مبارك» أية مبررات وذرائع فى نقد نظامه.
قيل وقتها على نطاق واسع إن الحرب من أعمال التحرير وإشاعة الديمقراطية.
رغم اتضاح بشاعة ما جرى فى العراق وبالعراق فإن أحدا لم يعتذر عما قاله أو كتبه.
دمر العراق تماما، التدمير طال كل شىء، وأدت تلك السياسة بما رافقها من مداهمات لبيوت آمنة وتنكيل بشع بالمعتقلين فى السجون إلى رفع سقف العنف إلى حدود غير مسبوقة فى تاريخ مقاومة الاحتلالات فى العصور الحديث كلها.
اختلطت الصور بين عمليات مقاومة للاحتلال مشروعة فى كل القوانين والشرائع الدولية، حظيت وقتها بدعم واسع من القطاع الأغلب فى الرأى العام العربى، وبين عمليات إرهاب استهدفت مدنيين أبرياء، لجأت لوسائل بشعة تنكيلا بأية قيمة إنسانية كخطف المراسلين الأجانب وقطع الرءوس.
انفجرت براكين الجحيم، وكان السفير المصرى أحد ضحاياها.
رغم مرور سنوات طويلة على حادث الاغتيال إلا أن تحقيقا سياسيا لم يفتح حتى نعرف ما الأخطاء التى ارتكبت وكيف ولماذا كان ذلك ممكنا؟!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحقيق سياسى فى واقعة اغتيال تحقيق سياسى فى واقعة اغتيال



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 05:52 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
  مصر اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 06:18 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات
  مصر اليوم - ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات

GMT 14:32 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 14:16 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 07:56 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

وصول عون للرئاسة ينعش لبنان والمنطقة

GMT 08:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 22:34 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

تخيل أننا التقينا....

GMT 19:29 2019 الأحد ,20 تشرين الأول / أكتوبر

دليلك الكامل لارتداء البدلات الرسمية

GMT 11:24 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 12:32 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج القوس الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:41 2020 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

نيكاكسا يستعيد نغمة الانتصارات في الدوري المكسيكي

GMT 05:25 2020 الأحد ,19 تموز / يوليو

وقف إنتاج هوندا سيفيك كوبيه رسميا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt