توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«مستجير» ما زال فى القلب

  مصر اليوم -

«مستجير» ما زال فى القلب

بقلم - خالد منتصر

«إنه الحكيم الذى يشبه الطفل» هذا هو ما قاله الشاعر وليام كاوبر عن العالم الإنجليزى نيوتن، وهى عبارة تنطبق ربما بصورة أكبر وأدق على عالمنا المصرى الكبير وصديقى الجميل د. أحمد مستجير، الذى رحل فى مثل هذا التوقيت 2006، هذا الرجل الذى رغم إكليل الشعر الأبيض الذى يتوج رأسه، فإن قلبه ظل يحمل شقاوة الأطفال ودهشتهم وبراءتهم. الطفل ابن الثانية والسبعين عندما كان يتسلم أرفع جائزة مصرية، لمحت غلالة دموع تغلف ابتسامته التى دوماً تنضح تفاؤلاً، أراه أنا فى أحيان كثيرة غير مبرر، وكأننى أسمعه يهمس بعد أن أنهكته المسيرة الطويلة: «ياه، معقول لسه فيه حد فى مصر بيقدّر العلم والعلماء!».

أرى قامته الطويلة التى لم تنحنِ إلا للرب ولميكروسكوب المعمل، أراها تنبض بالمهابة وأيضاً بالخجل، ويده القوية الضخمة التى تصافحك فتتعطر بفتوتها، احتضنت الجميع بحميمية، وبشرته التى لفحتها شمس الوادى قرأ الكل عليها حروف العشق لهذا الوطن الذى ما زال فى القلب، رغم أن الكثيرين من حوله قد حولوه إلى مجرد ورقة بنكنوت وصفقة سمسرة، للحظة تجسدت ملامح الوطن فى ملامح وجهه، واختلطت تضاريس المحروسة بخطوط الزمن على لوحة جدارية ضخمة اسمها أحمد مستجير.

تقف هذه القامة العملاقة أمام أسئلة الحياة فى حيرة وقلق، ولكن رغم كل شىء وأى شىء لا يفقد أبداً تواضعه الجم ودهشته الطفولية التى تجعله يردّد كلمات «نيوتن»: «لست أدرى كيف أبدو بالنسبة للعالم، ولكنى أبدو لنفسى كطفل يلهو على شاطئ البحر، يتسلى بين الحين والآخر باكتشاف حصاة أنعم أو صدفة أجمل، بينما يقف محيط الحقيقة بأكمله غامضاً غير مكتشف أمام ناظرى».

ولكى يسبح د. مستجير فى محيط الحقيقة كان عليه أن يتزود بزاد يكفيه فى رحلته المنهكة المليئة بالأنواء والأمواج، وكان فى كل محطاته «الألفة» دائماً، وكما سرق برومثيوس نار المعرفة ليهديها للبشر، أعطانا الحكيم الطفل شعلة الثقافة العلمية التى نذر لها حياته، أعطاها لنا فى عشرات الآلاف من الصفحات التى خطها وترجمها قلمه وأبدعتها قريحته.

أتذكر جيداً رده المفحم على أحد الأرستقراطيين عندما شتم الهندسة الوراثية وأخذ عليها أنها تنتج لنا طماطم جامدة مش زى بتاعة زمان، فرد عليه العالم بحسم «إحنا عايزين نأكّل الناس الفقرا اللى بيزيدوا بالملايين، فلازم نعمل طماطم تستحمل، حتى لو كان طعمها مش زى زمان»، رد إنسانى قبل أن يكون رداً علمياً، فهو يبحث ويكتشف لكى يأكل الغلابة لا لكى يجعل علمه مطية لرفاهية أغنياء الحرب وأثرياء العصر الجديد، وحتى تأملاته أخضعها لمصلحة الناس البسطاء؛ ففى إحدى سفرياته على الطريق الصحراوى إلى الإسكندرية لاحظ كثافة الغاب والبوص فى الملاحات ونمو ه رغم نسبة الملح المرتفعة، فلمعت فى ذهنه فكرة زراعة القمح والأرز فى الأرض المالحة بالتهجين الخضرى مع الغاب، وحلمه بإثراء الفول البلدى بحامض الميثونين الأمينى لتقترب قيمته الغذائية من اللحم، أى أنه يريد تحويل طبلية الغلابة والحرافيش إلى سفرة البهوات والمستورين، وكان من أحلامه أيضاً إدخال جين مقاومة فيروس الالتهاب الكبدى -أكبر عدو لأبناء المحروسة- إلى الموز، وغيرها من الأحلام التى هاجسها الوحيد فقراء هذا الوطن. وحشتنى، وما أحوجنى إليك اليوم يا صديقى الطفل الحكيم.

هذا مقال سأكرر كتابته فى كل ذكرى لأستاذى وصديقى د. مستجير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«مستجير» ما زال فى القلب «مستجير» ما زال فى القلب



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt