توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحية في ذكرى خيري شلبي

  مصر اليوم -

تحية في ذكرى خيري شلبي

بقلم - خالد منتصر

إذا كنت تريد أن تقرأ ملامح مصر الآن وتتعرف على تضاريسها النفسية والاجتماعية، فلتكف عن قراءة كتب الجغرافيا قليلاً واقرأ روايات الراحل خيرى شلبى فى ذكراه.

اخترت لكم رواية «إسطاسية» التى قرأتها فى 2010، وهى بجانب أنها رواية فهى أخطر جهاز أشعة رصد أحشاء الوطن المضطربة، وقاس هشاشة عظامه التى كان قد قرضها الفساد وقرصها الجوع، وحدد أماكن ثانويات الورم الذى وزع نابالم الفتنة فى خلايا المخ والكبد والقلب، فصار جسد الوطن جثة!

أحياناً نطلق على الممثل البارع «غول تمثيل» لأنه يسرق الكاميرا من الجميع.. خيرى شلبى يستحق لقب «غول رواية» لأن كاميرا الوعى التى تطل من نافذة عينيه مفتوحة 24 ساعة، ترصد وتسرق بالحلال اللقطة واللفتة والإيماءة، فيصبح «روبن هود» الذى يسرق كنوز المعرفة والبصيرة ويسلمها إلى من تآلف مع المشهد ليفيق من ألفته وكسله وفقر مفرداته وبخل انفعالاته، فيندهش ويُصدم فيتحرك ويبوظ «الراكور»!

فى سباقات الماراثون يسلم المتسابق قبل خط النهاية عصاه إلى من يكمل المشوار، وقد سلّم نجيب محفوظ عصا ماراثون الرواية إلى هذا العبقرى.. خيرى شلبى، فصار ديكنز مصر بلا منازع.

«إسطاسية» أطول عدّودة مصرية ملحمية تندب هذا المصير الأسود الذى تعدو إليه مصر داخل نفق الفتنة الطائفية المعتم، من يرد أن يتعامل مع الرواية على مستواها المباشر وحكيها الصريح فسيستمتع، ولكن من يرد أن يوسع الرؤية من تفاصيل الميكروسكوب إلى بانوراما التليسكوب ويبحث عن تأويل وتفسير المطمور والمتوارى والمختبئ من حفريات المعانى أسفل الطبقات الجيولوجية للرواية، سيستمتع أكثر ويفزع أكثر وأكثر!

«إسطاسية» أرملة جرجس غطاس، التى قتلوا وحيدها محفوظ الحلاق غدراً، هى ضمير القرية الذى يشويهم بنار الإحساس بالذنب، ضمير لا ينام ولا يكف عن الندب والصراخ، أرض الغطاسين استولى عليها البراوية، العائلة التى ينتمى إليها حمزة بطل الرواية، أقاموا «مَكَنة» الطحين بشراكة مع محفوظ جرجس اعتماداً على عقود وهمية، عتمان الجزار ناقم على المسيحيين، يسبهم ليل نهار ويتهم محفوظ بأنه قطع رزقه، انطلقت الرصاصة فى ظلام الليل لتستقر فى قلب محفوظ، لم يدرك أهل القرية أنها استقرت فى قلب استقرار البلد، طلبت إسطاسية العدل الإلهى عندما خذلها عدل الأرض، ومثل التراجيديات اليونانية الكلاسيكية صبغ الدم صفحات الرواية، ما إن يبدأ فصل بمقتل شخص حتى ينتهى بمقتل آخر، انقطع نسل العمدة الدمية وشقيقه شيخ المنصر، انقلبت الأفراح إلى مآتم ومات العريس والعروس على الكوشة، حتى السيارة التى اُشتريت من الحرام كانت نذير شؤم، وحتى النعش الذى يحمل الجثة لم يستطع أهل القرية حمله، لأن يديه الخشبيتين انكسرتا وصار مثقلاً بالذنوب!الرواية ليست قصة للتسلية فى السامر، ولكنها ملحمة تعصرك عصراً لتلمس الزلزال بأطراف أصابعك، وترى الجثث مبقورة البطن منتفخة على سطح جلدك، ويخترقك المستقبل الأسود، برائحته العفنة، الذى ينتظر مصر لو استسلمت للراقصين على الجثث فى زار الفتنة الطائفية!

لابد أن تسأل وأنت تقرأ الرواية عن أصحاب الأرض، عن الشراكة ومحاولة الغزو، عن «مَكَنة» الطحين التى من المفروض أن تمنحنا الخير فلماذا منحتنا الموت؟ عن نهاية القصة التى تلجأ فيها إسطاسية إلى القانون الذى لا بد أن يحكم بعيداً عن القبلية والتعصب ونفاق التيار المتطرف الذى زيّف الوعى، لا بد أن تسأل فى النهاية كيف عاش بيننا من هو فى قامة خيرى شلبى دون أن نقبّل يديه وجبينه كل مطلع شمس؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحية في ذكرى خيري شلبي تحية في ذكرى خيري شلبي



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt