توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دروس سانت بارتيليمي

  مصر اليوم -

دروس سانت بارتيليمي

بقلم - خالد منتصر

أمس كنت أشاهد لوحة «سانت بارتيليمى» وتذكرت أشهر مذبحة دينية فى تاريخ أوروبا، مذبحة أو مجزرة «سانت بارتيليمى»، التى وقعت أحداثها فى فرنسا سنة ١٥٧٢، وتمنيت لو علق كل إنسان تلك اللوحة على جدران بيته أو وضعها على «الديسك توب» للكمبيوتر أو المحمول، فبرغم أنها لوحة مليئة بالدم والجثث، ولا تحمل جمال منظر طبيعى أو جاذبية بورتريه امرأة فاتنة، فإنها لوحة تصرخ فينا كل لحظة، ها هى العلمانية التى صارت كلمة سيئة السمعة فى عالمنا العربى، أنقذت وما زالت تنقذ وكانت دوماً طوق النجاة لأوروبا وللغرب، هى التى صنعت مجدها وتقدمها الحالى.

عندما تخلصت سفينة أوروبا من أحمال وأعباء الفاشية الدينية، استطاعت أن تبحر إلى حيث شاطئ النور والأمان، لكن ما هى تلك المذبحة؟ وما هى ملابساتها؟ سنحكى لمحات من أحداثها معتمدين على ما وثقه أكثر من كتاب مهم عن معركة التنوير والأصولية فى أوروبا، وعلى رأسها كتاب هاشم صالح، الحكاية بدأت بحفل زفاف فى القصر الملكى بباريس، تمت دعوة زعماء البروتستانت إليه، وانتهى زفاف الدم هذا بأن انقض عليهم الجنود الكاثوليك ومزقوهم بسيوفهم، وهم يغطون فى النوم! ولكن هل اكتفى القتلة بالزعماء فقط؟ إنها ساقية الدم التى ما إن بدأت فى الدوران فلن تتوقف، انتابت الكاثوليكيين فى شوارع باريس نوبة هياج هستيرى، وصار كل من يصادفه أى بروتستانتى فى الشارع سواء امرأة أو عجوز أو طفل يقتله ويذبحه، لا تفرقة ولا رحمة.

امتد القتل من الشوارع إلى البيوت التى اقتحمت، بلغت الحصيلة فى ثلاثة أيام فقط ثلاثة آلاف قتيل، اشتعلت النار فى المدن الأخرى وامتدت خارج باريس، صار الثأر كرة بنزين معلقة فى ذيل قط مذعور داخل حقل قمح مشتعل، صارت بوردو وتولوز وروان.. إلخ ساحات إعدام للبروتستانت، ارتفع الرقم إلى ثلاثين ألف قتيل، وقد هنأ البابا جريجوار الثالث عشر ملك فرنسا على هذا العمل الجليل، الذى أدى كما قال إلى استئصال «طاعون الزندقة» من مملكة فرنسا الطاهرة، وتلقى الخبر بصفته علامة على عناية الله ورحمته، واشتعلت الحروب الأهلية وبلغت ذروتها فى عصر لويس الرابع عشر، الذى أمر بسحق البروتستانت إذا لم يعتنقوا الكاثوليكية، وكانت النتيجة هجرة ستمائة ألف بروتستانتى، وكان تعليق بوسويه زعيم الأصولية الكاثوليكية مخاطباً لويس الرابع عشر: «لقد ثبت أركان الإيمان يا جلالة الملك واستأصلت الهراطقة، وهذا هو أكبر عمل جليل يحصل فى عهدك، فبك زالوا واندثروا، والله وحده أتاح لك هذا الإنجاز الذى يشبه المعجزة، يا ملك السماء احفظ لنا ملك الأرض»، لكن هل الأمر كان متعلقاً بطائفة أو عقيدة بعينها؟ الإجابة بالطبع لا، أى دين أو عقيدة تلعب سياسة وتقحم السماء فى شئون الأرض ستنتهى إلى نفس النفق المعتم، ففى إنجلترا حدث العكس، المهرطقون صاروا هم الكاثوليك، وصار الله مع البروتستانت ضدهم فجأة.

وكانت مجزرة «دروكهيدا» الأيرلندية هى الفوتوكوبى لمجزرة سانت بارتيليمى، فى سبتمبر ١٦٤٩، عندما وصل كرومويل بجيوشه أمر بقتل الكاثوليك، وعندما قيل له من الممكن أن يكون بينهم مؤمنون، كان رد كرومويل «اقتلوهم جميعاً، فالله يعرف عباده الصالحين»!! صار هو المتحدث الرسمى باسم الله، قتل فى تلك الحملة ما لا يقل عن نصف مليون كاثوليكى أيرلندى فى دوركهيدا فقط، وتم حرمان أى كاثوليكى من أى وظيفة ما عدا الطب!!

وتم منعهم من تدريس عقيدتهم، ومنعوا من امتلاك أى سلاح أو حصان يزيد ثمنه على خمسة جنيهات! قام فولتير بعمل إحصائية تقريبية لضحايا القتل والحرق والشنق باسم الله فى أوروبا، فوجدهم تسعة ملايين وأربعمائة وثمانية وستين ألف شخص، كلهم ذبحوا قرباناً للرب، إنها قصة احتكار السماء التى دوماً تنتهى بنزيف الأرض، فهل نستوعب الدرس؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروس سانت بارتيليمي دروس سانت بارتيليمي



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt