بقلم: خالد منتصر
«من المصير الذى يخصّصه المجتمع لأفراده الذين لم يعودوا قادرين على العمل، يكشف المجتمع عن حقيقته»، هكذا كتبت سيمون دى بوفوار عن العلاقة بين تحضر وتقدم وحداثة المجتمع وبين الاهتمام بالشيخوخة والمسنين، وأكد على هذا المعنى البابا فرنسيس حين قال: «الشعب الذى لا يعتنى بالأجداد، ولا يحسن معاملتهم، لا مستقبل له، فالمسنّون، فى الثقافة العائلية والاجتماعية، مثل جذور الشجرة»، لذلك كانت سعادتى غامرة بزيارة دار الهنا للمسنين التابع لجمعية التعارف الخيرية، والتى أسستها حرم أستاذ الأجيال الجراح الشهير عبدالله الكاتب، وكان من ضمن مؤسسيها كوكب الشرق أم كلثوم، ووضع حجر الأساس لها السيدة جيهان السادات.
قابلت الجيل الثالث المشرف الآن على الدار، المهندس عبدالله الطويل، وحرمه نعمت هانم صفى الدين، منذ فترة طويلة لم أصادف أناسًا بهذا اللطف والرقى والجمال والشياكة، والمهم أنهما لا يصدران لك أى طاقة سلبية، الدار كلها بالكتيبة العاملة فيها تشحن بطارية الأمل والبهجة والطاقة الإيجابية، سبعة أدوار تضم حياة اجتماعية كاملة لنزلاء الدار، مطبخ فاخر يقدم وجبات إضافية لخارج الدار للمحتاجين فى رمضان وغير رمضان، رحلات ترفيهية، لقاءات ندوات، مكتبات، علاج طبيعى، جيم، تمريض، رعاية طبية... إلخ، وجدت نزلاء يمارسون حياتهم خارج الدار ولكنهم ينتمون له ويحبون العيش والسكن فيه، نظرًا لروح الأسرة التى تظلل الجميع، هناك أنشطة للجمعية بجانب دور المسنين، هناك حضانة أطفال، وكفالة أيتام.
وهناك مشروع هو الأول من نوعه لتقديم رعاية ووجبات ساخنة للمسن الذى يعيش وحيداً فى بيته، يصلون إليه حتى مكان سكنه، وهو مشروع أتمنى أن يعم مصر كلها، فمصر بها مليون مسن يحتاجون إلى رعاية، وطاقة دور المسنين على مستوى مصر كلها ٥٠٠٠ سرير فقط!!، معادلة فيها خلل رهيب، ولكن حلم عبدالله الطويل ونعمت هانم صفى الدين لا يتوقف، يحلمان بمشاركة كل الجهات والمؤسسات، بنك الطعام وغيره، فى دعم مشروع الوصول للمسن فى بيته والحفاظ على كرامته الإنسانية، بيت المسنين فرض عين، وأعظم صدقة وواجب من الممكن أن يؤديه إنسان يحترم ضميره، من لا يحترم جذوره تذبل أوراقه.
وكل الشكر للدكتورة مايا مرسى التى تظهر بصماتها وأياديها البيضاء على دور المسنين وكافة أنشطة وزارة التضامن، والتى ظهرت جلية فى هذا المستوى المتميز لهذا الدار، وتظهر فى تحرك الدولة ممثلة فى وزارة التصامن الاجتماعى لإعطاء حقوق للمسنين من خلال صندوق رعاية المسنين، والذى يعمل فى إطار قانون حقوق رعاية المسنين رقم ١٩ لسنة ٢٠٢٤، الذى يستهدف ترسيخ وحماية وتنمية حقوق المسن وحرياته، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتقديم الدعم له فى مختلف النواحى الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية والتعليمية، ويستهدف الصندوق، وفق رؤيته، أن يكون الذراع الوطنية الرائدة فى تنظيم وتمويل وتنسيق خدمات رعاية المسنين فى مصر.
وأن يعمل من خلال ثلاثة أدوار رئيسية تتمثل فى تنظيم منظومة الرعاية ووضع الأطر والمعايير الحاكمة للخدمات، وتنسيق جهود الجهات المختلفة لتعظيم الأثر ومنع الازدواجية، وتمكين الجهات الشريكة من الوصول إلى كبار السن وتوجيه التمويل وسد الفجوات فى الخدمات، ويطمح الصندوق إلى أن تكون خطة العمل التنفيذية مرتكزة على خمسة محاور رئيسية تشمل: «استكمال البناء والاستقرار المؤسسى، وبناء قاعدة بيانات للمستهدفين ورسم خريطة للخدمات من خلال الشراكات المختلفة، وتفعيل الخط الساخن بكامل طاقته، إلى جانب تطوير الخدمات المباشرة المقدمة لكبار السن، وتنظيم سوق مقدمى خدمات الرعاية ووضع المعايير اللازمة لمقدمى الرعاية المؤسسية والمنزلية».
كل التوفيق لفريق عمل الصندوق فى خدمة من منحونا الرعاية صغارًا، ويحتاجون الآن إلينا فى استكمال رحلتهم فى الحياة بكرامة وإنسانية.