توقيت القاهرة المحلي 11:29:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الكردوسى وداعاً

  مصر اليوم -

الكردوسى وداعاً

بقلم :خالد منتصر

فقدت الكتابة الصحفية «أسطى» من أسطوات الشغلانة، قلم مغموس فى الوجع والدهشة والفن، دهشة الطفل ونزق المراهق وحكمة الشيخ، الصديق محمود الكردوسى كانت قراءة ما يكتبه متعة ودرساً، عباراته منحوتة من إيقاع النبض والأعصاب، فيها بكارة وطزاجة وصدمة غير المألوف دائماً، كان حزيناً عندما هاتفنى عندما كتبت عن روايته «ذائقة الموت» وقال لى: أنت تقريباً الوحيد الذى كتب عنها وقرأها بتركيز، الرواية بديعة حقاً وتستحق قراءات نقدية كثيرة لثرائها وعمقها، ولكن الكردوسى كان فناناً خالداً يدفع ثمن خصومات السياسة العابرة وحماقات مزاج الفنان المتقلب العاصف، كنت دائماً أقول له: كتاباتك الفنية تحتاج إخلاصاً أكبر، ولكنها ماكينة الصحافة اليومية التى لا تقنع بشراكة الفن والتى تفرم الكثيرين من الموهوبين فى مفرمتها السحرية.

سنفتقد ضحكاتك المجلجلة وسخرياتك اللاذعة وحكاياتك الموجعة ومواعيدك المتأخرة ووعودك المؤجَّلة وتمردك الجميل وقلمك المتفرد، وهذه بعض اقتباسات مما كتبته عن روايته البديعة «ذائقة الموت» التى أدعوكم لقراءتها والاستمتاع بها:

«اختطفت نداهة الصحافة الكثير من الكتّاب وحرمتهم وحرمتنا من كنوز إبداعاتهم فى مجالات الفن المختلفة نتيجة مفرمة المطبعة التى لا ترحم ولا ترتوى وتدهس فى طريقها لحظات التأمل، والكاتب الصحفى محمود الكردوسى واحد من هؤلاء الذين يمتلكون الحس الروائى واللغة الرشيقة والخيال الجامح والتفكير بالصورة ورؤية المدفون والمطمور أسفل تراب العادة وطمى المألوف، وفوق هذا وذاك هو ابن الصعيد، هذه البقعة من العالم التى اختزنت فى نواتها أساطير العالم بحكمتها الموجعة وخرافاتها المدهشة، واختزلت فى حكاياتها عصارة الكون بكل أعاصيره العاصفة وسكونه الغامض، لذلك سعدت بصدور روايته العذبة ذائقة الموت عن دار العين للنشر، واحتفيت بلحظات انفلات المبدع من قبضة الصحفى، والهروب من لهاث الديسك والسبق والمانشيت إلى تروِّى الحلم وتمهُّل النسج الروائى والسبك القصصى، رواية تحس أنها فى بعض الفصول قد كتبت بأظافر تخدش وتعرِّى لحم الزيف لتكشف عرى الحقيقة الكامن فى الأحشاء، وفى البعض الآخر تشعر أنها قد كتبت بقوس كمان يطبطب بالموسيقى على قلب من يعيشون على الكفاف، رواية يحضر فيها الجنس والموت بنفس الكثافة والسخونة والحميمية، كأننا نعيش مارشاً جنائزياً فى ليلة حمراء، رواية يتجاور فيها الدين بعمقه وتوغله ورتوش الطائفية واحتكار السماء إلى جانب رقص الغوازى وحلقات الذكر وانحرافات الخطيئة، يصف بيوت فقراء الصعيد وآلامهم وأوجاعهم وصراعاتهم وكأنه يحمل جهاز أشعة رنين مغناطيسى يكشف المخبوء، هناك فقرات هى أقرب للشعر بروح الأبنودى وأمل دنقل».

«برع الكردوسى فى التسلل إلى القارئ ومراوغته قاصداً ومتعمداً ومع سبق الإصرار والترصد، حتى لا يعرف الخط الفاصل بين الواقع والأسطورة، كله ملضوم فى عقد روائى وسردى واحد لا تستطيع معه فرز الإكسسوار التايوانى من الفصوص الألماظ! وذلك حتى لا تضيع متعة السباحة فى بحر الرواية ببوصلة التشكك والتمحيص فى المد والجزر والعمق وسرعة الرياح، أجواء من كافكا وماركيز ويحيى الطاهر وهنرى ميللر، منذ الفصل الأول يواجهنا الموت بكل ثقله ووطأته وعبثيته، حاملاً معه رائحة علاقات جسدية حميمة، وكأن كل الكائنات من النبات للجماد ومن الإنسان للحيوان تتنفس جنساً، خلف كل قصة موت أسطورة وملحمة من ركام الحكايات والعلاقات المتشابكة المجهدة تحتاج معها إلى أجندة تدوين وتصنيف وترتيب أحداث وعلاقات قرابة، حتى أسماء أبطال الرواية هى أقرب للتمائم والتعاويذ الغامضة منها إلى الأسماء الواضحة الدالة، وكأن الكردوسى يخبرك منذ البداية: أنت مقبل على غابة روائية هى كالأحراش فلابد أن تحتشد».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكردوسى وداعاً الكردوسى وداعاً



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt