توقيت القاهرة المحلي 13:50:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللبنانيون في «الأهرام»

  مصر اليوم -

اللبنانيون في «الأهرام»

بقلم :سوسن الأبطح

تبحث عن مي زيادة في مصر، فتجد أنك تعود إلى لبنان، كذلك الحال مع روز اليوسف وبديعة مصابني، وجورجي زيدان، وآسيا داغر، وسليم ورشيد تقلا، الصحافيين الرائدين، اللذين احتفلت مصر، قبل أيام بمرور 145 عاماً على تأسيسهما جريدة «الأهرام». الصحيفة التي أراداها منفتحة، عصرية، حرة، ذات لغة رشيقة، مختزلة، لا رطانة فيها ولا سجع. شيّدا معاً، من لا شيء، نواة لمؤسسة كبرت وتفرعت وصمدت إلى اليوم. من لطيف مسارات اللبنانيين الذين هاجروا في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى مصر التي وصفها عبد الرحمن الكواكبي عام 1899 بأنها «دار العلم والحرية»، أنهم سرعان ما تمصروا وذابوا وخاضوا غمار المعارك الوطنية والسياسية، وكأنهم أهل الأرض وناسها.

سليم تقلا ابن مدرسة تحت السنديانة، وتلميذ العبقري بطرس البستاني وأستاذ اللغة العربية، ذهب إلى مصر مليئاً بالطموح باحثاً في نهضتها عن تحقيق حلمه، فأسس في الإسكندرية مطبعة «الأهرام» التي ستصبح من أكبر مطابع الشرق، ومن ثم حصل بعد جهد على امتياز لجريدة بالاسم نفسه. وأن يسمي لبناني جريدته «الأهرام» لا «الأرز» فذلك له دلالاته الكبرى، على ذكاء الرجل وإحساسه بالاندماج والتأقلم.
بمعونة شقيقه بشارة أطلق الجريدة أسبوعية كل سبت، رغم إمكانياتهما المحدودة التي استدعت من سليم عملاً شاقاً؛ إذ كان يقضى النهار والليل يحررها ويديرها ويكتب أسماء مشتركيها. ويتولى أعمالاً «تحتاج إلى عشرة من العمال». لم يكن سليم القادم من لبنان بعيداً عن التأثيرات الصحافية الغربية، نشر أخباراً من العالم، مواد علمية، أدبية، تجارية، اجتماعية، لغوية. هو نفسه سافر إلى أوروبا، ليصبح من أوائل المراسلين العرب، الذين ينقلون الأخبار ويجرون المقابلات من هناك.
حين تقرأ بشارة تقلا يقول إن الشعار الذي بقي في الأهرام «نصب عيوننا وإليه توجهت ميولنا وآمالنا إنما هو: مصر للمصريين». ويصف البلد بأنه «جميل والأمة سمحة كريمة الشمائل، جديرة بأن يصادقها النزيل وأن يصدق فى خدمتها»، تشعر كم أن نبض العروبة، وإحساس الوحدة، كان فياضاً.
الصحيفة التي تعهدت بألا تخوض غمار السياسة، لن تبقى بعيدة عن النار، والاستعمار على أرض مصر. احترقت مطبعة «الأهرام» بسبب القصف البريطانى وخسر سليم كتباً وأرشيفاً وأموالاً، لكنه لم يستسلم. ولم يمهله القدر سوى 16 عاماً على رأس «الأهرام». يصف خليل مطران شاعر القطرين الذي كان عابراً في مصر قادماً من أوروبا في تلك الفترة، الحزن المصري على مؤسس «الأهرام»: «لم يكن فى الإسكندرية ذو مقام مسلماً كان أو مسيحياً أو إسرائيلياً إلا وقد حضر... ورأيت الناس على اختلاف الملل والنحل إخوة فى ذلك المصاب». استبقى الشقيق بشارة شاعر القطرين، ليعمل في «الأهرام» وهكذا كان، لينضم إلى كوكبة النجوم الأهراميين.
من بعد بشارة، أدارت الجريدة زوجته بتسي ناعوم كبابة، المولودة في بيروت، وتجيد الإنجليزية والألمانية والتركية، وهي التي نقلت «الأهرام» من الإسكندرية إلى القاهرة، وكان ابنها جبرائيل الذي سيتسلم من بعدها لا يزال في التاسعة من عمره.
تناوب على رئاسة تحرير «الأهرام» أكثر من سبعين سنة لبنانيون، وجدوا لهم في مصر أرضاً وموطناً وملجأ. جاء ابن يحشوش داود بركات، فعمل على تطويرها عندما تولَّى رئاسة تحريرها عام 1899، زاد عدد محرريها، أحسن تدريبهم وتدليلهم، رفع عدد صفحاتها، وسّع من انتشارها، أضفى عليها لمسات عصرية في المضمون والإخراج الفني. فأصبحت «الأهرام» في عهده واسعة الانتشار منتظمة الصدور، كذلك أدخل عليها العديد من التعديلات والتطوير، واعتبر هذا اللبناني أحد شيوخ الصحافة المصرية، وعرف بمواقفه الوطنية وشجاعته ضد الاستعمار الإنجليزي، ودفاعه عن العروبة في أرض الكنانة. فقد قضى ثلثي عمره في مصر، وثلاثين سنة في رئاسة تحرير «الأهرام». ووصفته مي زيادة بأنه «الينبوع الصامت المتدفق كل يوم يوزع خيره دون حساب لينعش العقول والنفوس».
عودة جبرائيل تقلا ابن المؤسس بشارة من فيينا بعد دراسته الحقوق والاقتصاد، مرحلة أخرى من مراحل التحديث، هو الذي عمل على توسعتها، وشراء أحدث المطابع، وتحويلها إلى الجريدة العربية الأولى. أما ابن بكفيا داود بركات الذي كان عضواً في مجلس الشيوخ المصري ونال رتبة الباشوية، فقد ظل رئيساً لتحرير «الأهرام» حتى وفاته عام 1948، من بعده جاء عزيز ميرزا، لبناني آخر، كان في بلاط الملك فؤاد، وحطّ محرراً ثم رئيساً للتحرير.
وصف طه حسين جريدة «الأهرام» بأنها تحولت إلى «ديوان الحياة المصرية المعاصرة... حفظت دقائق التفاصيل التي ما كان لنا أن نعرفها من دونها». هذا أصدق وصف يمكن أن توصف به «الأهرام»، كما أن أصدق وصف وصف به الشعر العربى القديم، هو أنه «ديوان العرب».
هذا التاريخ للبنانيين في جريدة «الأهرام»، كان مصرياً بامتياز، بمشاعر صحافييه، وكتّابه ورؤساء التحرير، ومؤسسي المطبوعة أيضا. الامتزاج الثقافي العربي الذي ينعش القلب، هو ما أسس لعلاقات لا تزال إلى اليوم، قائمة على التكامل لا على التنافس، وعلى الاحتضان بدل العراك. ومن يظن أن التاريخ لا يزن ثقيلاً على الحاضر، أو يحرره من براثن ضيق الأفق، فمراجعة هذه العلاقات المثيرة للإعجاب بين بلدين شقيقين، تستحق أن تكون نموذجاً لتعميم الفائدة وتوسيع مداراتها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللبنانيون في «الأهرام» اللبنانيون في «الأهرام»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

الملكة رانيا تخطف الأنظار وتؤكد أناقتها المتجددة بالبدلات الرسمية

عمان - مصر اليوم

GMT 08:41 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

علامات خلال النوم تكشف وجود مشاكل في القلب
  مصر اليوم - علامات خلال النوم تكشف وجود مشاكل في القلب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:37 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

وفاة 6 سوريين من أسرة واحدة في حادث على صحراوي بني سويف

GMT 16:11 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستمتع برياضة اليوجا عبر إنستجرام

GMT 23:22 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

بورصة تونس تنهي تعاملاتها على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt