توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إخوتنا في «الأبارتايد»

  مصر اليوم -

إخوتنا في «الأبارتايد»

بقلم - سوسن الأبطح

حين ترى الأعلام الفلسطينية ترفرف بكثافة على المباني الملونة في حي بوكاب في مدينة كيب تاون الجنوب أفريقية، والجداريات الداعمة عند كل زاوية، تعتقد أنها للتضامن مع غزة في محنتها الحالية، لكنها في الحقيقة موجودة باستمرار لتذكّر العابرين في هذا الحي السياحي، بأن ثمة شعباً لا يزال يُضطهد ويعذّب تحت الاحتلال. الحي الإسلامي في قلب العاصمة التشريعية كان شريكاً في النضال ضد «الأبارتيد»، ولم يسقط يوماً مقولة زعيمه نيلسون مانديلا: «إن نضالنا لا يكتمل إلا بتحرر فلسطين». التظاهرات تجوب المدن، واللجان التي تنظمها، تمتلك من الحماسة لفلسطين؛ ما يجعلك تستغرب بعد أن تقطع إحدى عشرة ساعة بالطائرة من بيروت، كيف تجاوز هؤلاء عوائق الجغرافيا، بإخلاصهم وحبهم لمن وقف إلى جانبهم يوم استُعبدوا ونكّل بهم. بعضهم لم يسمعوا بلبنان، لكنهم يبشون بحرارة حين تخبرهم أنه يقع قرب فلسطين. لربما أن جنوب أفريقيا، هي الدولة الوحيدة في العالم اليوم، التي تستقبل حامل جواز السفر الفلسطيني من دون فيزا، أخوّة مع شعب يعاني ما ذاقوه من مرّ العذاب.

لذلك؛ فإن دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل متهمة إياها بـ«الإبادة الجماعية»، هي ثمرة نضيج، لتماهٍ بين تجربتين دمويتين، لشعبين، ربط بينهما الظلم، وقهرتهما العنصرية. أراد صحافي أميركي ذات يوم أن يحرج مانديلا بسبب علاقته الحميمة مع ياسر عرفات رغم أنه متهم بالإرهاب، فكانت إجابته «أعداؤكم ليسوا بالضرورة أعداءنا... وموقفنا من أي بلد، نحدده تبعاً لموقفه من نضالنا. ياسر عرفات والقذافي وكاسترو لم يؤيدونا بالخطابات بل وفّروا لنا الموارد. لذا نحن ندعم الفلسطينيين».

حين يقال بأن فلسطين هي في جينات الجنوب أفريقيين؛ فلأن الرابطة بين الطرفين، تعود إلى أكثر من نصف قرن، يتوارثونها جيلاً بعد آخر، لتصل اليوم إلى حفيد نيلسون مانديلا.

بالتزامن مع نكبة 1948 كانت الحكومة الاستعمارية البيضاء تقرّ نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وتخضع سكانها السود لنظام من أعتى ما فُرض على مجموعة بشرية. عُومل السود كفئة أدنى من البشر. وحين نسمع وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت ينعت الفلسطينيين بأنهم «حيوانات بشرية» فتلك ليست سابقة. طرد نظام بريتوريا العنصري السكان من بيوتهم وأملاكهم ليسكنها البيض. دُفع السود للعيش في مساحات ضيقة مزنرة، يُمنع عليهم مغادرتها إلا بإذن. سلوك شبيه بما مُورس على الهنود الحمر، وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين وهي تتعمد عزل كل مجموعة عن الأخرى، في جزر متباعدة؛ لتضعفهم، وتمنع التواصل بينهم. ارتكب البيض المجازر في السود، قمعوهم بالحديد والنار، عذبوهم في السجون، حرموهم من تعليم أو طبابة كالتي توفر للبيض. كان الفصل في المواصلات، والأحياء والمهن وحتى المشروبات، يسمح ببعضها وتمنع أخرى، وهذا يذكّرنا بمنع الكزبرة والمعكرونة عن الفلسطينيين.

أعدّت جنوب أفريقيا، الخبيرة، بحروب الإبادات، وقبح العنصرية، ملفاً محكماً قدمته للمحكمة، سردت فيه بالتفصيل ما ارتكبته إسرائيل في غزة، من جرائم الهدف منها القضاء على مجموعة بشرية لها خصوصيتها، والتخلص منها بحرمانها من الماء والغذاء والدواء، بالإجهاز الممنهج، على الأطباء والصحافيين، والأفران والبيوت والمدارس والجامعات والآثار، وكل ما يجعل الحياة ممكنة.

وسهلت إسرائيل بغطرستها المهمة، حين قرنت أفعالها المشينة، بأقوال صريحة واضحة من وزرائها ومسؤوليها، تثبت بوضوح، النيّة المبيتة للعدو بارتكاب جريمته، وهو تماماً، ما تحتاج إليه المحكمة.

فرادة الحالة الفلسطينية أنها قائمة الآن، المجزرة تُرتكب ساخنة، والأحداث مستمرة؛ وهو ما جعل جنوب أفريقيا تطالب بقرار فوري لوقف إطلاق النار، كتدخل طارئ للحد من الجريمة الجماعية التي ترتكب.

بصرف النظر عما ستخرج به المحكمة التي قد تسيس، فإن إسرائيل موقّعة على اتفاقية الإبادة الجماعية، لا، بل إن الاتفاقية وُضّعت في الأصل على شرفها، بعد المحرقة وكي لا تتكرر أبداً. والرأي العام مجيّش ومستنفر، وثمة منظمات بدأت العمل لتضغط، وها هي توقّع العرائض وتحضّر للتظاهر. قضية فلسطين تنتعش اليوم، وتفوز بالنقاط، وبكشف الغطاء تدريجياً عن بشاعة احتلال لم يكن وجهه البشع سافراً يوماً، أمام العالم كما هو عليه اليوم.

إسرائيل التي وُلدت من رحم قرار أممي، وعاشت بفضل الترويج الكاذب لنموذجها الحضاري، ونظامها الديمقراطي، وجيشها القوي، تتدحرج سمعتها وتنهار صورتها. وهي هذه المرة، لا تستطيع أن تدير ظهرها كما فعلت مع مئات القرارات الأممية التي أدانتها. تعتبرها دعوى قضائية «مقرفة»، لكنها مضطرة إلى المواجهة؛ لأخذ الأمور على محل الجد. بدأت، ما استطاعت بحذف التصاريح الكريهة التي تدينها لوزرائها ومسؤوليها، من الرغبة في القتل بالنووي، إلى الأمر بتجويع وتعطيش الشعب الفلسطيني، ومساواة المدنيين بالعسكريين، ووجهت دبلوماسييها للضغط على الدول لرفض المحكمة وإدانتها.

لكن من يمحو صور الجثث المكدسة من الأذهان، وأطراف الأطفال المقطعة، ودموع الثكالى، ومشاهد التهجير والوجوه الشاحبة والعيون الشاخصة. كيف ينسى شعب جنوب أفريقيا أن إسرائيل دعمت النظام العنصري الذي سعى لمحو هويتهم، بالمال والسلاح والخبرات. كانت إسرائيل آخر من تخلى عن حكومة الأقلية البيضاء عندما قاطعها العالم أجمع، وحاصرها للتراجع عن ارتكاب جرائمها.

يقول نائب يهودي سابق من جنوب أفريقيا، إن بلاده بعد تجربة مريرة و350 سنة من أهوال الفصل العنصري، تعرف جيداً معنى «الإبادة»، وهي أفضل من يمكن أن يدّعي على مرتبكيها. ويعتقد أندرو فاينشتاين صادقاً أن «ما تفعله إسرائيل هو أكثر وحشية بكثير من أي شيء شهدناه، ذات يوم، في جنوب أفريقيا». ربما لأن النظام عندنا كان يحتاج إلى السود كعمّال لتسيير الاقتصاد، في حين ترى إسرائيل أنها بغنى عن الفلسطينيين كيد عاملة، ويمكنها أن تقتلهم بعشرات الآلاف، حتى تنتهي منهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إخوتنا في «الأبارتايد» إخوتنا في «الأبارتايد»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt