توقيت القاهرة المحلي 06:42:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مطالب الهوية وإدارة الشعبويات

  مصر اليوم -

مطالب الهوية وإدارة الشعبويات

بقلم - رضوان السيد

كتبتُ مراراً عن ظاهرة الشعبويات الصاعدة منذ عقود في أوروبا لكنها الآن صارت ظاهرةً عالمية. ويوم الثلاثاء في 3-5-2022 كتب الدكتور محمد النغيمش في جريدة «الشرق الأوسط» عن «إدارة الحشود» وهو موضوعٌ مختلفٌ تماماً يتعلق بالقدرات العالية لأجهزة التسيير والانضباط في الحرم المكي في شهر رمضان على إدارة الحشد الهائل من أجل العمرة بعد توقف عامين بسبب وباء «كورونا». اللافت هنا المفردان: الحشد، والإدارة. فهل هذه «الشعبويات» الهوياتية صارت «حشوداً» بظهور قيادات قادرة على الإدارة مثل مارين لوبن وترمب وبودي بالهند، أو بعبارةٍ أُخرى هل هذه الشعبويات أنتجتها الأزمات العارضة وتزول بزوالها أم هي مدفوعة بكاريزما القيادة ووجوه الوعي الجديدة؟
ينبهنا فرانسيس فوكوياما في كتابه (2018): «الهوية، مطلب الكرامة وسياسات الانتماء» إلى أن الشعبويات تحفزها إرادات «الكرامة» أكثر مما يحفزها النزوع الطبقي إلى رفع الظلم وفرض الفرص المتساوية والعدالة في الأجور والمرتبات. فالذين يقودون حركات «العدالة» أو «الإنصاف» ليسوا أُناساً من أسفل السلَّم، بل هم (نساءً ورجالاً) من أبناء الفئات الوسطى المتعلمات والمتعلمين والذين يطمحون للرقي الاجتماعي والسياسي، وما عاد عندهم صبر على سياسات الأحزاب لتهبهم المراتب التي يطمحون إليها. إنما ما الذي يحرّك من هم دونهم لكي يتشكل «الحشد»؟ إذا قيل إنّ هؤلاء الشاعرين بالظلم أو بالخوف من المستقبل وسياسات التسوية والمجاملة على حسابهم لدى السياسيين المحترفين، هم الذين تحفزهم مشكلات الحياة المعيشية والأُجور، فلماذا لا يتجهون إلى اليسار واليسار الراديكالي العامل بالفعل على هذه القضايا منذ مائة وخمسين عاماً؟! على العكس، وأياً تكن الأولويات أو التراتبيات في أحاسيس الظلم والظلامة فالاتجاه في هذه الحقبة من جانب «الجماهير» نحو اليمين الشعبوي أو الديني. ونحن نقول الشعبوي لأنّ الإحساسات الدينية وإنْ تكن موجودة لدى بعض قادة الشعبويات في أميركا على وجه الخصوص؛ فليست لها في الغالب الأولوية أو الاعتبار الأبرز. وعلى أي حال الشعبويات موجودة في أوروبا وأميركا، إنما ما لعبت الاعتبارات الدينية دوراً رئيسياً في التكون والسواد في أوروبا؛ بينما كانت مهمةً (لدى الإنجيليين الجدد) للتحشد في المرحلة الماضية، وهي لم تَعدْ كذلك اليوم. ثم إنّ الأمر أمرٌ سياسي كبير وصعب أن تتلاقى الأهداف بين ذوي النزعات الدينية الخاصة (ضد الإجهاض - ضد زواج المثليين) مع توجهات السياسي ولو كان شعبوياً (أي غوغائياً نوعاً ما) ضد الصين وضد المهاجرين!
عندما كان غوستاف لوبون (السوسيولوجي الفرنسي بالمعنى الواسع - ونحن نعرفه لأنه كتب «حضارة العرب») في الثمانينات والتسعينات من القرن التاسع عشر يحاول فهم الحركات الجماهيرية في فرنسا وأوروبا، كان يزعجه أنّ اليسار الفرنسي (جماعات الكومونه) هم ضد الدولة الفرنسية، بينما يتحزب الجمهور الألماني لدولته بحجة الوحدة القومية. ويلاحظ إلياس كانيتي (The Crowd) أنّ الجماهيريين اليمينيين هم الذين استأثروا بالوطنيات والقوميات طوال القرن العشرين!
برتران بادي وفيديل (عودة الشعبويات، 2019) يلاحظان أنّ مطالب الشعبويين الجدد في الغرب هي مطالب المحافظينّ نفسها؛ لكنّ المحافظين وهم سياسيون محترفون، مستعدون للتنازلات وبلوغ الحلول الوسط، وهو ما لا يقبله الشعبويون المندفعون للبروز على الساحة السياسية وبالانتخابات أيضاً. وهذا النمط من السياسات الراديكالية هو الذي سماه فريد زكريا (2004): الديمقراطية التوتاليتارية!
إنّ داعي العودة لتأمل الشعبويات الآن، هو الارتباك الذي أحدثته فيها وعليها الحرب الروسية على أوكرانيا. فكل الشعبويات الغربية كان قادتها على الأقلّ يعتبرون الرئيس الروسي حليفاً معتبراً، وما عادوا يستطيعون ذلك الآن بالنظر لدعواهم الدفاع عن الهوية الأصيلة والسيادة، والرئيس الروسي يريد إلغاء الهوية الأوكرانية بالقوة ومن طريق الاجتياح. وصحيح أنه لا يبدو أنّ تحالف مارين لوبن مع الرئيس الروسي قد أثر عليها في الانتخابات؛ لكنّ كل دول شرق أوروبا وإسكندينافيا ووصولاً إلى ألمانيا، سيطر عليها التوجس أو الخوف، وتعود بالتدريج من الناحية الشعبية أيضاً، للتحالف التقليدي مع أميركا. وهذا التوجه المتكون يدعم تحالفات الوسط في أوروبا الغربية وما حولها. ووحدها بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي كانت حليفة أميركا وما تزال، ولذلك هي شديدة الانتصار لأوكرانيا وتُزايد حتى على أميركا!
ولنصل إلى ساحتنا في آسيا والعالم الإسلامي. في العالمين العربي والإسلامي كانت الشعبويات وما تزال شعبويات هوياتية إسلامية. وإذا كان يمكن تعليل ذلك في الحالة الفلسطينية بالضغوط الإسرائيلية ذات الطابع الديني وبخاصةٍ ما يجري في المسجد الأقصى والجامع الإبراهيمي بالخليل كلّ رمضان؛ فإنّ الإسلامويات الجماهيرية الأُخرى في العالمين لا يمكن تعليلها، وبخاصةٍ أنها ما عرضت حلولاً ناجحةً للمشكلات الوطنية حيث وصلت للسلطة أو اقتربت منها. وهي إلى ذلك ظاهرة العداء للدولة الوطنية في العالمين، كأنما هي تسعى بوعيٍ أو من دون وعيٍ لحالة اللاسلطة. ولستُ أزعم أنها الآن في ذروة ازدهارها، إنما البارز أنه ليست هناك حركات جماهيرية أُخرى بارزة أو صاعدة لتكوين بدائل ذات أفق.
ولنصل إلى آسيا غير الإسلامية. هناك ثوران جماهيري في الهندوسية والبوذية يجتمع فيه في الهوية الوطنية البُعدان الديني والقومي. وهو موجَّهٌ أساساً ضد الإسلام باعتباره المهدِّد للهوية الطهورية في الهند وميانمار على سبيل المثال.
إنما هل هي بمقاييس بادي وفيديل «شعبويات» أم تتمايز عنها بعض الشيء حركات الهوية؟ فالهوية طلب للكرامة في الغرب، وهي إحقاقٌ للدين وطهورية لدى المسلمين والهندوس. وفي كل الأحوال فإنّ للهويات ذات الجماهير دائماً عدو أو أعداء، وعند الغربيين الخصم داخلي (مطلب تغيير الفئات الحاكمة)، أما في المشارق فالعدو دائماً خارجي. المشكلة عند الراديكالي الغربي في سياسات النظام. أما عند الإسلامي والهندوسي والبوذي ففي اعتقاد عداء الآخر لدينه وقوميته واستطراداً لدولته حتى وإن كان من البلد ذاته!
وفي النهاية: ما الذي صنع الهويات المتوترة في زمن العولمة؟ وهل سبب نجاحها القيادة الكاريزماتية أم الوصول للسلطة أم الأمران معاً؟
نحن مهتمون بالطبع أكثر بمصائر تجربة الدولة الوطنية في مجالنا والتي كسرتها الإسلاموية الراديكالية في إيران، وعرقلت تطورها في البلاد العربية والإسلامية الأُخرى. ومن هنا يأتي المطلب الدائم والعمل على استعادة السكينة في الدين، وتجديد تجربة الدولة الوطنية، وتصحيح العلاقة مع عالم العصر وعصر العالم؛ دون شعبوياتٍ دينيةٍ أو قومية!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مطالب الهوية وإدارة الشعبويات مطالب الهوية وإدارة الشعبويات



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt