توقيت القاهرة المحلي 22:09:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العرب وإيران: حيرةٌ رغم التجربة!

  مصر اليوم -

العرب وإيران حيرةٌ رغم التجربة

بقلم : رضوان السيد

عندما كنا ندرس بألمانيا في سبعينات القرن العشرين، كانت غاصةً بتنظيمات اليساريين الجدد من الطلاب الإيرانيين، بينما كان الحزب الشيوعي (تودة) أقوى التنظيمات بالداخل الإيراني، ولا يضاهيه في القوة بالمشرق غير نظيريه في إندونيسيا والسودان؛ ولذلك كان الجميع يترقبون انقلاباً يجلب عسكريين للسلطة مثلما حدث في الدول العربية والإسلامية، وبالطبع ليس ضرورياً أن يكون التغيير يسارياً، بل من صناعة الأميركيين كما حدث في الخمسينات لحماية إيران من الشيوعية! لكنّ ما حدث ما كان متوقعاً أبداً وهو استيلاء رجال الدين الإيرانيين على السلطة في ظلّ ثورةٍ شعبيةٍ هوجاء وهائلة، وليس بعيداً عن أنظار الأميركيين والغربيين(!). التخلي الأميركي عن نظام الشاه كان سريعاً ومدوياً ومجهول الأسباب، والاختيار الأميركي الآخر كان: مقاومة التهديد الشيوعي بإسلاموية الملالي الراديكالية. وبالفعل، فقد انصرف الخميني لسحق «تودة» واليساريين الآخرين، قبل الالتفات لضرب أنصار أميركا والليبرالية بالداخل الإيراني.

لدى العديدين منا في العالم العربي ما استمر الانذهال بالثورة الإيرانية طويلاً. ففي عام 1985 وقد استولى الإيرانيون على جزيرة مجنون وآبار النفط فيها وبدأوا يتحدثون عن الاستيلاء على البصرة وضمها لإيران أو إقامة جمهورية إسلامية فيها! ورغم اهتمامي المستمر آنذاك باستطلاع الأبعاد المذهبية للثورة وتأثيراتها على شباب الشيعة في العالم العربي حتى بين اليساريين منهم، فإنّ الدارس البارز الراحل روي متحدة (وهو أميركي من أصول إيرانية)، وكان أستاذاً للتاريخ الإسلامي بجامعة هارفارد، أخبرني أنه يؤلّف كتاباً عن الشخصية الإيرانية وأسرار سلطة رجال الدين بإيران، وطلب مني الإجابة عن تساؤلات نشأت لديه بعد قراءة كتابي «الأمة والجماعة والسلطة» (1984). صدر كتاب روي متحدة عام 1986 بعنوان مجازي لافت هو: «بُردة النبي»، والعنوان الفرعي: الدين والسياسة في إيران. طُبع الكتاب مرات عدة بمئات الآلاف واعتُبر أفضل الكتب عن بلد إسلامي خلال خمسين عاماً. والإيرانيون الذين يسارعون لترجمة كل شيء عن إيران ما ترجموا الكتاب لأنهم اعتبروه ضدهم، والذي أراه أنه لهم ومعهم إلى حدودٍ بعيدة. هناك بعض الصفحات في نقد سلوك الملالي تجاه الأقليات ومنهم البهائيون (متحدة بهائي)، وملاحظات على الإعدامات الكثيفة وعلى قمع الحريات، وفيما عدا ذلك فالشخصية الإيرانية عند متحدة ساحرة وعميقة وحافلة بالأسرار وهناك - شأن المجتمعات الآرية القديمة - طبقية أو طبقات، وبعد مئاتٍ من السنين في ظل الإسلام صار رجال الدين (وبخاصةٍ السادة من آل البيت) طبقة مستندها العامة المتدينة، وتعيش على الخُمس خارج السلطة السياسية وإن لم تعارضها على الدوام، وتنافسها الحقيقي مع النبلاء الريفيين الذين كانوا يسمون الدهاقين من جانب العرب، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم عماد القومية الإيرانية. إنما في الأزمات، فإنّ الفئتين تتلاقيان فتؤيدان الشاه القائم أو يتولى النبلاء القيادة ومن داخل إيران أو من خارجها كما في حالتي الصفويين والقاجاريين.

وحسب متحدة - وقد قمت بترجمة كتابه بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على صدروه بعنوان: «بُردة النبي» - فإنّ العصبية الوطنية الإيرانية مزدوجة بين التشيع والقومية وتبدو شديدة النفور والتمرد وادعاء الحق عندما يبرز لديها قائد كارزماتي. وتحكمها أو تتحكم بتصرفاتها بدورها ثنائية الموقع والدور. فعندما تقوم في الهضبة الإيرانية دولة واحدة، تسيطر عليها نزعة الامتداد في سائر الاتجاهات لتكوين إمبراطورية تتجاوز كثيراً حدود الهضبة منذ نحو الألف عام قبل الميلاد.

لقد تحير العرب في التعامل مع إيران رغم أن الوعي بها بجوارهم عتيق عتيق. صدام حسين هجم عليهم لأنه خافهم على نظامه. أما العرب الآخرون فحاسَنوا إيران على طول الخط وعلى مدى عقود. وكانت - باستثناءات قليلة - إجاباتها سلبية فخرّبت نتيجة غضّ الطرف والأمل بالتغيير بلداناً عربية عدة.

عندما اشتبك الأميركيون والإسرائيليون مع إيران بقي العرب على الحياد وحاولوا منع الحرب. لكن إيران ضربت في دول الخليج بقوة وبخاصةٍ في الإمارات. ولذلك؛ فإنّ الأمر يبعث على الحيرة بالفعل، بشأن هذا الجوار الرديء.

مرةً يخربون البلدان بالأذرع الميليشياوية بحجة فلسطين فينقلب الأمر عليهم وعلى الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني.

ومرةً يزعمون أنهم بالهجمات يريدون الإضرار بالأميركيين فيدفعون باتجاه زيادة الاعتماد على الأميركيين.

هو تعاملٌ أورث سقماً كما قال الإمام علي (رضي الله عنه). وهي كراهيةٌ صماء تنطلق من الاستضعاف إلى الإضعاف. فإما أن يجتمع المصابون على خطةٍ للردع والمواجهة أو يتهدد أمن دول الاستقرار والازدهار ونغرق في المستنقع الذي وقعت فيه إيران: مستنقع الاضطراب الداخلي وصناعة الأعداء واستعداء الأصدقاء!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العرب وإيران حيرةٌ رغم التجربة العرب وإيران حيرةٌ رغم التجربة



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt