توقيت القاهرة المحلي 22:31:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان التاريخي والحاضر بين قوسين!

  مصر اليوم -

لبنان التاريخي والحاضر بين قوسين

بقلم: رضوان السيد

كتبتُ أكثر من مرة عن المبعوث الأميركي إلى لبنان توماس برّاك. ففي تصريحاته التي تكاثرت خلال الأسبوعين الماضيين وضع الأميركي اللبناني الأصل (أسرته من مدينة زحلة البقاعية) لبنان بين قوسين فيما بين «بلاد الشام» العريقة من زمن الأُمويين وما قبل، واتفاقية سايكس - بيكو (1916 - 1917) بين البريطانيين والفرنسيين على تقاسم المنطقة وتقسيمها بحيث ظهر الكيان اللبناني عام 1920. ولمّا اشتدّ انزعاج السياسيين المحليين بلبنان من الخذلان غير الدبلوماسي من جانب ابنهم القديم الذي يشبه الرؤية والموقف، حاول التهدئة من روعهم بالقول إنه كان يريد تحذيرهم من التخاذل والتردد أمام تراكم سلاح «حزب الله» والتأخر في إجراء الإصلاح، واستحثاثهم على الاقتداء بالنجاح السوري السريع، ولكيلا تعود الرؤية (السورية والشامية) القديمة التي تعتبر بيروت ولبنان مجرد منتجعٍ ساحليٍّ للشام!

توضيحات توماس برّاك أقلقت أكثر مما طمأنت. فالرجل الذي يفاوض بدقةٍ وإسهاب، وينفّذ أوامر رئيسه الذي لا يحب المساومات، يتعمد أيضاً أن يعمل وقت الشغل الدبلوماسي مؤرخاً ومفكراً سياسياً وصاحب رأي وموقف. بلاد الشام هي الأصل ودمشق قلبها. وعندما هاجر أهل برّاك إلى أميركا قبل الحرب العالمية الأولى كانت التسمية لا تزال سائدةً حتى سقطت الدولة العثمانية وقام المنتصرون في الحرب بتقسيم المنطقة، وهو التقسيم الذي سمح بظهور لبنان وسوريا والأردن... ثم إسرائيل باعتبارها وطناً قومياً لليهود على أرض فلسطين. برّاك لا يذكر الشام التاريخية إذن فقط؛ بل يذكر اتفاقية سايكس - بيكو أيضاً والتي يزعم منشئوها أنها تشترع التقسيم من أجل السلام بحفظ حقوق الأقليات، يذكر ديفيد فرومكين مؤلف كتاب: «سلامٌ ما بعده سلام» أن الاتفاقية بالذات أسست لكل حروب المنطقة طوال مائة عامٍ وأكثر. لا شكّ أنّ برّاك قرأ الكتاب، ولا شك أيضاً أنه ليس قومياً عربياً يكره التقسيم الاستعماري للمنطقة مع أنه في تصريحه سماه استعمارياً وضد السلام بالفعل؛ بل يريد - محبةً للبنان - أن تقومَ دولة وطنية قوية فيه ليس فيها جيشان وسلطتان، ولا تهدّد الجيران ولا يهددها الجيران، سواء لجهة فلسطين المحتلة، أو لجهة الحدود مع سوريا!

من جهةٍ أخرى: هل تفاؤل برّاك الكبير بشأن الأوضاع في سوريا له ما يسوِّغه؟ بالنسبة للأميركيين حكم الشرع مفيد لجهات عدة؛ فقد أقلقتهم سوريا الأسدين لجهة استقدام الروس والإيرانيين، ولجهة السيطرة على لبنان، ولجهة تسليط «حزب الله» على الداخل اللبناني وإسرائيل، ولجهة التعرض للإرهاب، والمشكلات الداخلية مع المسيحيين والأكراد، وأخيراً مع أكثرية الشعب. معظم هذه المشكلات انتهت أو توشك. لكنّ نظام بلاد الشام الجديد ليس هو نظام حافظ الأسد الذي قال عنه باتريك سيل إنه كان يصارع على الشرق الأوسط! أما مشكلاته الحالية، فهي بالفعل أقل حدةً من المشكلات التي يواجهها لبنان. ثم هناك إرادة النهوض التي يملكها الشرع ولا يملكها اللبنانيون.

كان توماس برّاك قد قدّم لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورقةً قبل ثلاثة أسابيع تحتوي - كما يقال - على أربعة عشر مطلباً أو سؤالاً، وعاد إلى لبنان فتلقّى إجابةً درستْها الجهات الأميركية المعنية وأبدت رأيها فيها وتبلغتها الحكومة اللبنانية، ويقال إنها تعطي الحكم اللبناني فرصةً إلى آخر العام لنزع سلاح الحزب. وبالطبع ستستمر الغارات الإسرائيلية ما دام السلاح لم يُنزع. المسؤولون اللبنانيون قالوا لبرّاك إنهم لا يستطيعون نزع سلاح الحزب بالقوة، ولا بد من الهدوء والتدرج. وينبغي التركز على نزع السلاح الثقيل (الذي يضر بإسرائيل!). وقد خرج برّاك يومها منشرحاً أكثر بعد اجتماعه بالرئيس نبيه بري كأنما وعده الأخير أكثر. أما الحزب نفسه، فلم يجب إلا بالتهديد والوعيد واستحالة نزع سلاحه!

لنتأمل خيراً؛ فالحرب الداخلية التي يحذّر منها برّاك مستحيلة؛ لأنه ليس لدى معارضي الحزب سلاح للمواجهة، واللبنانيون المتذمرون صاروا يكرهون الحروب أياً تكن الأسباب!

حسب برّاك، فإنّ لبنان خرج باتفاقية سايكس - بيكو من بلاد الشام المتصدعة. لكن الاتفاقية نفسها هي التي اصطنعت أزماتٍ وحروباً جديدة. وما بذل اللبنانيون جهوداً كافيةً في إقامة الدولة الحصينة. وهم يمتلكون الآن فرصةً نادرةً للوصول لذلك.

كنت أكره كلام محمد حسنين هيكل كل الوقت: لبنان دورٌ وليس وطناً ودولة! وكنت أقول له: نحن أربعة ملايين لبناني فكيف نعيش معاً من دون دولة؟ بالطبع كانت هناك فرص دائماً، لكنّ برّاك ما عاد بالغ التفاؤل. فقد قال قبل يومين: «لبنان في طريقه للفناء هناك، ميليشيا قوية، وبنك مركزي مفلس، وفساد منتشر، وعجز عن الإصلاح!».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان التاريخي والحاضر بين قوسين لبنان التاريخي والحاضر بين قوسين



GMT 07:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

GMT 07:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 07:52 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 07:50 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 07:48 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 07:47 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

فلسطين... للفصائل وقت وللشعب كل الوقت

GMT 07:44 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أشباح وأرواح يوسف شاهين

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 09:30 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

تعرفِ على طريقة عمل الدجاج على الجمر

GMT 16:48 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن قميص المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018

GMT 19:18 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

ناسا تخطط لبناء مفاعل نووي على سطح القمر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt