توقيت القاهرة المحلي 06:42:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدولة القوية وعودة الأحلاف

  مصر اليوم -

الدولة القوية وعودة الأحلاف

بقلم - رضوان السيد

عاد فرانسس فوكوياما في مقالة له للتأكيد على أنّ الأوضاع الداخلية للدول، والأوضاع العالمية، تستدعي وجود الدولة القوية والإدارة السياسية القوية، وهو الأمر الذي يخالف استنتاجه من قبل في كتابه: صعود الدولة أو النظام السياسي وانهياره (2015). بالنسبة له فإنّ الدول الجبارة التي تقوم كروسيا والصين، وذات النزوع العدواني، كلا الأمرين يستدعي وجود الدولة القوية والإدارة القوية من أجل الدفاع عن النظام وعن الديمقراطيات. وَمَنْ لذلك غير الولايات المتحدة؟! الجمهور الأميركي ما عاد يؤيد الحروب في الخارج، لكنّ الإدارة السياسية ما توقفت عن العمل على تنمية القوى العسكرية، وعلى بناء التحالفات من حول الصين وروسيا باليابان وأستراليا والهند، واليوم مع أوروبا ومع الناتو. يوم الأربعاء في 23 - 3 أتى بايدن إلى أوروبا لاجتماع الناتو ثم اجتماع القوى السبع الكبرى. هل هي الحرب الباردة من جديد؟ بدأت الحرب الباردة الأولى في مطلع الخمسينات من حول كوريا، فهل تكون الحرب على أوكرانيا إيذاناً بالحرب الباردة الجديدة؟ الفارق في الوقائع وفي التكتيكات. ففي الحرب الباردة الأولى كانت الدول الكبرى في معظم الأحيان تستخدم الحلفاء، أما اليوم فإنّ الدول العظمى صارت تقاتل بنفسها مثلما تفعل روسيا مع أوكرانيا. والفارق الآخر أنه ليست للحروب الجديدة أي غطاءات آيديولوجية. في الزمن الماضي كان هناك غطاء التحرر والاشتراكية. أما اليوم فكله صراع صريح على الموارد والمجالات الاستراتيجية ولا فرق في ذلك بين الدولة الاشتراكية (الصين) والدولة الرأسمالية (الولايات المتحدة).
منذ ثمانينات القرن الماضي، وحين كان الرئيس ريغان يثير حرب النجوم على الاتحاد السوفياتي، صعد خطاب الدولة ذات الإدارة الصغيرة لدى الحزب الجمهوري. فإذا أُثير السؤال حول قدرات الدولة للحماية والانضباط، تكون الإجابة أنّ السوق هي التي تنظم كل شيء. العالم تحكمه الشركات الكبرى، أما الدولة فلا حاجة إليها، وزاد الأمر اضطراباً بشأن الدولة عندما ذهب منظرو اليمين مثل هنتنغتون وفوكوياما إلى أنّ الديمقراطية الليبرالية فازت فوزاً أنهى «التاريخ» وجعل من الصراعات صراعات حضارية. فحتى روسيا صارت بعد زوال الاتحاد السوفياتي جزءاً من الحضارة الغربية اليهودية - المسيحية. أما الصين الكونفوشيوسية - البوذية فلا يبعد أن تصبح بتقدمها الاقتصادي جزءاً من هذا المتحد الحضاري. فلا يبقى خارج هذا المتحد غير الإسلام الذي لا بد من إخضاعه لقوانين الحضارة الغربية المنتصرة. وفي خضم الصدامات والصراعات ضد الإرهاب الإسلاموي، شنت الولايات المتحدة حروبها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. كيف ستضعف الدولة أو تصغر إداراتها ما دامت هناك حروب مستعرة من أجل «الهيمنة»؟ الآيديولوجيا الديمقراطية وصراعات الحضارات لا تُستخدم إلا في مواجهة الإسلام. فإذا تصاعد الحديث عن المنافسة مع الصين، اختفت الآيديولوجيا لصالح قوى السوق الأميركية المتفوقة. وحتى روسيا إياها يمكن استيعابها في الناتو أو الحلف الأطلسي. لقد صارت الآيديولوجيات لعبة تُستخدم بطرائق انتقامية مفضوحة. أما دعاوى القوميات ومظالمها التي تلعب الأديان والهويات دوراً فيها (الدولة اليهودية في فلسطين مثلاً) فيقال أنها استثناء ضروري تارة أو لا داعي لها تارة أُخرى.
ما احتاج الأمر أكثر من عقدٍ واحد حتى اختفى النقاش حول الصراع الحضاري، وعاد الكلام عن ضرورات الدولة القوية المجردة من أي آيديولوجيا. فحتى الكلام عن الديمقراطيات وضرورة حمايتها ما عاد أحدٌ يستخدمه بارتياح. المسؤولية في ذلك تقع في نظر المفكرين الاستراتيجيين على عاتق روسيا التي قالوا إنها تستخدم القوة العسكرية حيث يحلو لها ومن سوريا إلى أرمينيا وأذربيجان والآن أوكرانيا.
لا بد إذن من مواجهة الدولة القوية أو القومية الروسية، بدولٍ قوية قومية أو غير قومية. وليس هذا فقط. فقد انقضت سياسات الرئيسين أوباما وترمب للانسحاب من الشرق الأوسط وأوروبا. والثابتة الوحيدة في النقاشات بعد تغير طبيعة الصراعات كانت إيران، التي لا بد من إجراء الاتفاق النووي (2015) معها أو استعادته الآن (2022). بعد الدولة القوية المستعادة، عاد الحديث عن الأحلاف واستعادتها أو تقويتها. فقد صار التحالف الصيني - الروسي واقعاً في السياسات الدولية، والآن يتحدث الطرفان عن الجناح الإيراني للتحالف، وتواجهه الولايات المتحدة بالتحالف العسكري مع أستراليا واليابان والهند. ثم يأتي دور الناتو ليجدد شبابه وقوته بعد أن صارت حدود الدول الوسطى والصغرى وسيادتها موضع تساؤل. وقد برز ذلك في اجتماع الناتو ببروكسل يوم 23 - 3 ويضاف إليه اجتماع الدول السبع، وهي القوى الاقتصادية الغربية الكبرى. وهناك تسابق بين الدول الأفراد، والأخرى التي هي أعضاء في التحالفات. ألمانيا تقوي جيشها، لكنها في الوقت نفسه تزيد من إنفاقها في الناتو، وتخلق مع فرنسا جيشاً أوروبياً قوامه حتى الآن خمسة آلاف جندي.
بل وهناك تفكير جديد في معنى الحركات المسلحة في الدول العربية وأفريقيا. لقد كانت الفكرة بل والممارسة السائدة أنها تعبير عن ثوران الإسلام الذي ينبغي إخماده من أجل أمن العالم. أما الآن فيقال إنّ تلك الحركات إنما تظهر وتتمدد إذا ضعُفت الدولة (سوريا والعراق وليبيا ولبنان) أو إذا دعمتها دولة (مثل إيران). فمن أجل الاستقرار ووقف تدفقات اللاجئين، لا بد من استعادة قوة الدولة. أما أمن العالم فتهدده الصين وروسيا... وإيران.
هل يرجع ذلك كله إلى الهجوم الروسي على أوكرانيا؟ الهجوم الروسي غيّر استراتيجيات الأميركيين والأوروبيين في عدة نقاط بارزة. إنما ما هو الواضح الآن؟ كان الرهان على الشراكة التي خابت، والآن الأولوية لحفظ الذات والإقليم. وهكذا فإنّ الأولويات لدى الطرفين الأميركي والأوروبي تغيرت، فهل يكون من معالم الحالة الجديدة: العودة إلى سياسات الحرب الباردة، وأين هي منظمة الأمن والتعاون، وهل تنتهي شكاوى الهويات من الوحدة الأوروبية، فيقوى الاتحاد، كما يتجدد حلف الأطلسي؟ وأخيراً فإنّ سياسات الناتو عادت إلى الأوج أو أوشكت فهل تعود سياسات الحرب الدفاعية أو الوقائية، وكيف يجيب الصينيون والروس؟ وهل تتأثر سياسات التهدئة والاستيعاب مع إيران بعد «الصبر الاستراتيجي» الطويل؟!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدولة القوية وعودة الأحلاف الدولة القوية وعودة الأحلاف



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt