توقيت القاهرة المحلي 09:46:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأرض هي العرض

  مصر اليوم -

الأرض هي العرض

بقلم: بكر عويضة

كما غيرهم من شعوب العالم العربي، تردد على لسان معظم الفلسطينيين، منذ سحيق الأزمان، مَثلٌ شعبيٌّ يزعق مضمونه قائلاً إن «الأرض قبل العرض». واضح أن مقصد المثل هو التعبير بحماسة تفوق كل تقدير موضوعي، عن تأكيد التصاق الإنسان بأرض الآباء والجدود، حتى لو تطلب الأمر، ممن قد يواجه هكذا موقف، دفع غالي الثمن، مِثل التضحية بعِرضه فداء أرضه. قبل أي استرسال، يجدر سَوق توضيح مهم، خلاصته أن بعض المجتمعات العربية تعكس ترتيب كلمات المَثل المُشار إليه، فيتبدل إنشاء العبارة إلى: «العرض قبل الأرض». أدرك مُسبقاً، أنني على الأرجح أجازف بتعريض النفس لكثير من الانتقاد الغاضب، عند إبداء رأي صريح في مبالغة كلام كهذا، لكنني سوف أفعل مستنداً لمنطق العقل، لا أقل، ولا أكثر، فأقول إن مجرد تخيل المرء في مأزق وضع يستدعي منه أن يفاضل بين الأرض وبين العِرض، أو العكس، يحمل في حد ذاته الكثير من التسفيه لكرامة الإنسان، أياً كان معتقده، حاضره، تراثه، ماضيه، وتطلعه إلى مستقبل أكثر إنسانية وإشراقاً، له ولأجيال مجتمعه سواء الآنية، أو تلك الآتية على أجنحة الغد الأفضل.

ما استحضر ذلك المثل الشعبي مدخلاً لهذا المقال، هو أن الموضوع يتعلق بيوم صار من العلامات المضيئة في روزنامة الشعب الفلسطيني هو «يوم الأرض». معروف للجميع، إنما ليس من ضرر في التذكير، أن إطلاق هذه الصفة على ثلاثين مارس (آذار) من كل عام، يرجع إلى ما وقع نهار ذلك اليوم ذاته سنة 1976 عندما قرر الفلسطينيون خلف ما يُسمى «الخط الأخضر»، التصدي لقرار حكومة إسرائيل مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي المملوكة لمواطنين عرب، بدعوى أن «الصالح العام» يوجب هكذا إجراء ظالم. يومذاك، عم إضراب فلسطيني شامل فلسطين الطبيعية كلها، من أقصى الجليل في الشمال، إلى عمق الجنوب في النقب. خلال المواجهات التي جرت مع وحدات من جيش إسرائيل، وقوات شرطتها المدججة بالسلاح، سقط ستة قتلى مدنيين عزل، وجرح المئات، وألقي القبض على مئات أيضاً. يومذاك، كان مواطنو إسرائيل العرب يقولون بالفم الملآن، ويكتبون بالدم أن الإصرار على فلسطينية الأرض سوف يبقى بمثابة «الخط الأحمر»، حتى لو على معظم أجزائها نهض كيان يعترف به، سياسياً، العالم أجمع، تقريباً، يحمل اسم دولة إسرائيل.
بيد أن الثبات على هذا الإصرار، لم يحل دون استشعار فلسطينيي إسرائيل أهمية ولوج ساحات العمل السياسي، لأجل الدفاع، في الأساس، عن حقوقهم كمواطنين في دولة تدعي أنها «الدولة الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة كلها. إذ ذاك هو الحال المزعوم، فقد أحسن فلسطينيو تلك الدولة ذاتها اختيار النهج الذي من شأنه أن يضع سياسات ساستها، وكذلك واقع الأحاسيس الكارهة لكل فلسطيني، المختبئة تحت مسامات مستوطنيها، والكثير من أهلها حتى خارج المستوطنات، على المحك العملي، فكان الدخول إلى صفوف الأحزاب، أولاً. يجب أن يُسجل هنا، موضوعياً، أن شيوعيي فلسطين كانت لهم الريادة في هذا السياق، تبعهم معتنقو الفكر العروبي، ثم لحق ذوو المعتقد الديني من التيار الإسلامي بالسباق كذلك، فدخلوا الحلبة، وها هم ممثلون لهم يجلسون في مقاعد حكومية، ويحملون حقائب وزارية. ذلك كله عكس واقعية في التفكير، جداً مطلوبة، وهو نوع من الأخذ بأسباب من شأنها المساعدة على سد الذرائع، أو ما أمكن منها، أمام إلحاق الأذى على نحو ممنهج بممتلكات وحقوق الفلسطيني، رغم أنه «مواطن إسرائيلي»، خصوصاً في المناطق القديمة، والأحياء ذات العبق التاريخي، بمدن مثل عكا، حيفا، يافا، الناصرة، وغيرها.
أبعد مما سبق، اقتحام عرب إسرائيل أنفاق العمل السياسي، لم يمنع مبادرتهم إلى تقديم كل ما استطاعوا إليه سبيلاً من الدعم والمؤازرة، لأهلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، منذ أول انتفاضة (1987) وحتى آخر حرب، والأرجح ليست الأخيرة، شنتها آلة إسرائيل الحربية على غزة الناس (2018)، بزعم أن الهدف هم مقاتلو حركة «حماس» وحدهم. واحد وثلاثون عاماً تفصل بين شتاء عام الانتفاضة الأولى، وشتاء آخر المعارك، جرت خلالها أنهار من مياه تقلبات الساحة الفلسطينية ذاتها، سياسياً، سواء تحت جسور قيادات الأحزاب والحركات، أو في الأنفاق القتالية أيضاً. تُرى؛ هل أن زعماء فصائل الفلسطينيين، وقادة حركاتهم، باختلاف أطيافها، يبيحون لأنفسهم أحياناً مجرد التساؤل: أكان ممكناً لقليل من الواقعية تغيير الواقع الفلسطيني القائم الآن، إلى الأفضل، ولو قليلاً؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأرض هي العرض الأرض هي العرض



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 18:17 2022 الأحد ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

شرم الشيخ التي لم نعرفها من قبل

GMT 21:34 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

في متاهات التعليم

GMT 22:50 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

عمرو أديب يعرب عن حزنه لخسارة الزمالك أمام الأهلي

GMT 19:04 2022 الخميس ,03 آذار/ مارس

تأهيل الحكومة الرقمية من أجل التنمية

GMT 05:12 2020 الجمعة ,31 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الجنيه المصري مقابل الريال القطري الجمعة

GMT 04:32 2021 الأحد ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تؤكد دعم ليبيا لإجراء الانتخابات في موعدها

GMT 08:26 2021 الإثنين ,21 حزيران / يونيو

استمرار حظر هواوي بأمر من محكمة فيدرالية أميركية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt