توقيت القاهرة المحلي 11:49:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا أخرى بعد الهجوم على أوكرانيا؟

  مصر اليوم -

أوروبا أخرى بعد الهجوم على أوكرانيا

بقلم - حازم صاغية

استخدم روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركيّ السابق، تعبيراً بليغاً في وصف أحوال العالم، وبلدان الغرب خصوصاً، بعد الهجوم الروسيّ على أوكرانيا. قال إنّ الإجازة من التاريخ انتهت.

الإجازة بدأت مع انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر السوفياتيّ في 1989 – 1990. بعد ثلاثة أعوام، ظهر كتاب فرانسيس فوكوياما الشهير، وشاع تعبير «نهاية التاريخ» التي أنتجها، وفقاً له، انتصار نهائيّ حقّقته الديمقراطيّة الليبراليّة على نطاق كونيّ.
مذّاك استرخت أوروبا. الكاتب الأميركيّ روبرت كاغان وصف الأوروبيّين بأنّهم مقيمون على كوكب الزهرة ضدّاً على الأميركيّين المقيمين على كوكب المرّيخ. بالطبع لم تكن الإقامة الأخيرة سعيدة، ولا كانت عادلة دائماً، لكنّ الإقامة الأولى كانت، في معظم الأحيان، على سذاجة تتاخم البَلَه.
ومنذ 1999، تاريخ الظهور الأوّل لفلاديمير بوتين، انتصب في مواجهة تلك السذاجة خبثٌ مدجّج بعبادة القوّة من دون روادع، وبنزعة قوميّة وثأريّة تريد أن تنتقم للماضي السوفياتيّ الذي مضى.
بوتين، ما بين إحراقه الشيشان وإحراقه مدينة حلب، غزا جورجيا وأوكرانيا التي فصل عنها جزيرة القرم. تدخّل في أكثر من انتخابات أوروبيّة (وأميركيّة) دعماً لمتطرّفي اليمين واليسار. أوليغارشيّوه ومافياته تمكّنوا من استخدام المدن الأوروبيّة ملاذات وفراديس ضريبيّة لأموالهم القذرة. التهكير والتزوير والتجسّس استخدمتها موسكو على أوسع نطاق حتّى باتت الذراع الضارب لسياستها الخارجيّة...
أخطر من هذا أنّ بوتين وجد مؤيّدين ومقلّدين، في اليمين كما في اليسار، وفي مواقع رفيعة التأثير في بلدانها. الأميركيّ دونالد ترمب والبريطانيّ جيريمي كوربن والفرنسيّ جان لوك ميلونشون كانوا منهم. كلّهم، وبتفسيرات سياسيّة وآيديولوجيّة مختلفة، سعوا إلى إضعاف العلاقات الأوروبيّة – الأميركيّة. الإغراءات الماليّة لعبت دورها أيضاً: كاتب «الأوبزرفر» البريطانيّة أندرو راونسلي ذكّرنا في عموده الأخير ببعضهم: المستشار الألمانيّ السابق غيرهارد شرودر، وهو اشتراكيّ ديمقراطيّ، كان ولا يزال عضواً في مجالس إدارة بعض الشركات الروسيّة، بما فيها روسنيفت، النفطيّة المملوكة من الدولة. رئيس الحكومة الفرنسيّ السابق فرانسوا فيّون، وهو ديغوليّ كاد يرشّحه حزبه للرئاسة في الدورة السابقة، هو الآخر عضو في مجالس مماثلة لشركات بتروكيماويّة ونفطيّة تملكها الدولة. قادة سابقون في النمسا وفنلندا وإيطاليا شغلوا مواقع مشابهة ولم يستقيلوا منها إلاّ مع الغزو الأخير.
جاذبيّة بوتين ضربت بعيداً وقريباً. بعيداً، بات ميت رومني، المرشّح الجمهوريّ للرئاسة الأميركيّة في 2012، موضع سخرية وتهكّم حين تحدّث عن «روسيا كتهديد» في مناظرته الرئاسيّة مع باراك أوباما. شيء من تلك السخرية طال القطب الجمهوريّ الراحل جون ماكّين حين قال إنّه حين ينظر في عيني بوتين لا يرى إلاّ ضابط كي جي بي. أمّا قريباً، ففي هنغاريا التي لا تبعد كثيراً عن شدق التنّين، تباهى فيكتور أوربان مراراً بصداقته لبوتين وبإعجابه به.
خليط من الاسترخاء الذي أحدثه انتصار الحرب الباردة، والحروب الفاشلة في أفغانستان والعراق، واندفاع البيزنس والربح وانفلاتهما من كلّ عقال في ظلّ النيوليبراليّة، ورفع العتب بمقاتلة الفروع بدل الأصول، والإرهابُ أهمّ الفروع، وانسحابٌ أمام أنظمة كإيران، وتحويل معاناة السوريّين المُرّة إلى مسألة لجوء ولاجئين، وتباطؤ في حلّ مشكلات عالقة وعادلة كالمشكلة الفلسطينيّة...، كلّها صبّت على شكل مكاسب خالصة لبوتين.
اليوم، هناك إشارات تنمّ عن تغيّر في عموم العالم الأطلسيّ: أوروبا أشدّ صلابة ووحدة، تُسلّح الأوكرانيّين وتتسلّح. حتّى ألمانيا، ذات العلاقة المُشكَلَة مع التسلّح، تقرّر أن تنفق 2 في المائة من إجماليّ ناتجها المحلّيّ على الدفاع، بعدما أعلنت أنّها لن تشغّل خطّ نورد ستريم 2 للغاز. أميركا أيضاً أشدّ صلابة ووحدة، والعلاقة الأميركيّة – الأوروبيّة، التي دأب بوتين ومعجبوه في اليمين واليسار على إضعافها، في أحسن حال. أوربان صار يرى روسيا «دولة مارقة» ويطالب الأوروبيّين بالوحدة. وحتّى تركيّا إردوغان استعادت بعض أطلسيّتها بإعلانها أنّها ستمنع السفن الحربيّة لموسكو من عبور مضائق البوسفور والدردنيل للوصول إلى البحر الأسود. وفي داخل الحزب الجمهوريّ الأميركيّ بدأت ترتفع الأصوات التي تدين علاقة ترمب ببوتين وتكاد تتّهم الأوّل بالخيانة الوطنيّة.
وإذ تقول بلدان أوروبيّة من خارج الناتو والاتّحاد الأوروبيّ إنّها ستنضمّ إليهما، تلوح روسيا، التي تتهاوى عملتها، مطرودة من أجواء العالم ومن نظامه الماليّ والمصرفيّ. موانئ العالم وملاعبه ومسارحه تُحرّم كلّها عليها كما لو كانت كائناً مصاباً بالطاعون.
والحال أنّنا متى تذكّرنا أسماء قادة وقادة سابقين كترمب وأوربان وإردوغان وكوربن وميلونشون، واسترجعنا مصاعب بعضهم وتحوّلات بعضهم الآخر، جاز لنا أن نفترض تراجعاً في قدرة الشعبويّة على إنشاء الأحلاف وتوفير الدروع لصدر بوتين.
ومن يدري، فقد تتّجه الأمور بالأوروبيّين إلى تجديد ذاك الاندماج بين التقليدين اللذين عرفتهما بريطانيا في الأربعينات: التشرشليّة بوصفها الموقف الذي لا يهادن أنظمة الطغيان في أوروبا، والعمّاليّ الذي أنشأ دولة الرعاية لمواطنين يتكامل حرصهم على وطنهم مع حرص وطنهم عليهم.
وأوروبا هي البداية. ما يحدث فيها ليس بديلاً عن سياسات أخرى أشدّ تصلّباً في الدفاع عن الحرّيّة والعدل في سائر العالم. لكنْ يبقى أنّ قوّة أوروبا شرط لذلك ووعد به وضمانة له. فيها تبدأ العودة من إجازة التاريخ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا أخرى بعد الهجوم على أوكرانيا أوروبا أخرى بعد الهجوم على أوكرانيا



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt