توقيت القاهرة المحلي 05:12:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فلسطين: مستقبل بلا ماضٍ وماضٍ بلا مستقبل

  مصر اليوم -

فلسطين مستقبل بلا ماضٍ وماضٍ بلا مستقبل

بقلم :حازم صاغية

«غزّة الجديدة» و«رفح الخضراء» هما العنوانان اللذان يهبّان علينا بوصفهما مشروعاً لمستقبل غزّة العامرة والزاهرة. وهذا في موازاة عناوين أخرى مسكونة بالمشاريع العقاريّة والربحيّة، بعدما سبق أن طُرحت الريفييرا الفرنسيّة بوصفها مثالاً للتقليد.

ولربّما كان من أهداف هذه الخطط، التي تزدهي بالجِدّة والألوان، بناء نموذج ناجح يحتذي به الآخرون مقارنة بالنموذج الفاشل والقديم. فكما في حالتي كوريا الجنوبيّة وألمانيا الغربيّة قياساً بكوريا الشماليّة وألمانيا الشرقيّة، تُقام جنّة أرضيّة في الشطر الذي يُفترض أن تبقى فيه إسرائيل، أي 58 بالمئة من مساحة القطاع، بينما يُترك الشطر الآخر للجحيم. وهذا كلّه فيما إجماليّ مساحة غزّة 365 كيلومتراً مربّعاً!

أمّا التهجير السكّانيّ، والتعامل مع الحرب الإباديّة ومضاعفاتها، ومستقبل الفلسطينيّين السياسيّ...، فهذه كلّها تُدفع إلى تحت السجّادة من دون أن تعطّل التساؤلات البريئة: ما المانع في جعل غزّة مثل دبيّ أو الريفييرا؟

وليست معروفة بالضبط درجة المساهمة الإسرائيليّة في تلك الخطط، لكنّ المؤكّد أنّ تلّ أبيب تجد في مبدأ «الهندسة الجغرافيّة» عموماً، الشيء الكثير الذي يناسب تصوّراتها عن غزّة والفلسطينيّين والتعاطي معهم. وقد سبق لرئيس حكومة إسرائيليّ سابق، هو إيهود أولمرت، أن رأى في أحد تلك المشاريع «معسكر اعتقال للفلسطينيّين».

ففي طريقة النظر هذه تختبئ عناصر عدّة، بينها التعاطي مع البشر ككائنات فائضة عن الحاجة، واللهاث وراء الأرباح التي يأتي بها التوظيفان العقاريّ والسياحيّ. لكنّ الشيء الآخر الذي يثير الشهيّة الإسرائيليّة هو محو الماضي. فاستجابةً لصرخة الحرب الدارجة اليوم، ومفادها: هبّوا إلى المستقبل على جناح إلى التقنيّة، يتحوّل التاريخ صفراً ويغدو كلّ شيء مساوياً لكلّ شيء على نحو تترفّع عنه رؤوس البطاطا.

وهذا جزء لا يتجزّأ من الوعي الإسرائيليّ القاضي بجعل الماضي أمراً نسيّاً منسيّاً. وقد تأسّس الوعي المذكور على تجربة 1948 التي سمّاها الإسرائيليّون استقلالاً وطنيّاً وكفى الله المؤمنين القتال. أمّا أن تكون تلك التجربة إيّاها نكبة للمنكوبين الذين هُجّروا من ديارهم فهذا ما ينبغي نسيانه. وبدل مواجهة ذاك الماضي، تحوّل توسّع اليمين الإسرائيليّ وتراجع فرص السلام سبباً لمدّ هذا النسيان على التجارب اللاحقة وآخرها التوحّش منقطع النظير في غزّة.

لكنْ على الضدّ من هذه النظرة، لا تزال النظرة الغالبة عند الفلسطينيّين، وإلى حدّ بعيد العرب، الرجوع إلى ماضٍ مسدود ومقدّس يُستحضر عند كلّ تناول للنزاع. فالأكثر تعقّلاً ومعرفة يرجع إلى وعد بلفور وسايكس بيكو بوصفهما لحظات التأسيس. أمّا الأقلّ تعقّلاً ومعرفة فتكرّ به، في مهاوي الزمن، عجلات بلا مكابح، فلا يتوقّف قبل بَني قريضة أو غزوة خيبر.

وقد سبق للحركات الموصوفة بـ«مناهضة الكولونياليّة» أن درّجت تسبيق كلّ تناول للولايات المتّحدة والسياسات الأميركيّة بحديث عن «إبادة السكّان الأصليّين»، أي «الهنود الحمر»، أو في أحسن الحالات عن حرب فيتنام في الستينات وأوائل السبعينات.

وما هو ضامر في تلك المقاربة أنّ النزاع السياسيّ لا يعود بين فريقين، بل يغدو صراعاً يخوضه الضحايا ضدّ «طبيعة جوهريّة» لطرف لا يُحلّ الخلاف معه إلاّ بالإلغاء والإبادة. ذاك أنّ العطل، والحال هذه، كامن في أصل ما، وكلمة أصل هي التي اشتُقّت منها كلمة أصوليّة.

وفي مقابل النظريّة الإسرائيليّة في إنكار الأصول، تقف النظريّة الفلسطينيّة والعربيّة في التترّس بالأصول عند كلّ تماسّ مع الواقع الحيّ.

والأسوأ عمليّاً أنّ مقاربة العالم أصوليّاً لا تقول الكثير عن اليوم والراهن، فيما القليل الذي تقوله يصدّ الأبواب أمام كلّ غد سياسيّ. فهي غالباً ما تأتي مصحوبة بالتهليل، أو أقلّه بالتبرير، لعمليّة 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وليس بلا معنى ارتكاز تبريرها على «الأصول» التي «ينبغي» الرجوع إليها قبل أيّة محاكمة لـ7 أكتوبر. وهي تالياً إذ تدين، بحقّ، حرب الإبادة الإسرائيليّة، تمتنع عن الإقرار بحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها حيال تلك العمليّة أو أيّة عمليّة قد تشبهها. وهي، إلى ذلك، لا تخاطب الإسرائيليّين مُنكرةً، ضمناً أو علناً، أنّ ثمّة مستقبلاً سوف يُبنى معهم، شئنا وشاؤوا ذلك أم أبينا وأبوا. وهي، ومنذ انقشاع أفق الهزيمة في غزّة وفي لبنان، لم تخاطب «حماس» أو «حزب الله» ولم تطالبهما برمي سلاح باتت وظيفته الوحيدة إطالة عمر الموت وإضعاف الموقع التفاوضيّ، الضعيف أصلاً، حيال الإسرائيليّين.

فهناك إذاً مَن يتذكّر أكثر ممّا يجب ويبني العالم على تذكّره، ومَن ينسى أكثر ممّا يجب ويبني العالم على نسيانه. والتذكّر هنا قويٌّ قوّة النسيان هناك، علماً بأنّ السلوكين، أي التذكّر والنسيان، انتقائيّان إلى أبعد الحدود.

وعلى النحو هذا لا يبالغ من يقول إنّ هذه المنطقة وسكّانها مصابون بتأويلين متضاربين لا يملكان من العلاجات سوى تعميم التعاسة، واحدهما يعسكر في مستقبل لم يسبقه ماضٍ وآخر يضرب وتده في ماضٍ لا مستقبل بعده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فلسطين مستقبل بلا ماضٍ وماضٍ بلا مستقبل فلسطين مستقبل بلا ماضٍ وماضٍ بلا مستقبل



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt