توقيت القاهرة المحلي 16:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محنة النزعة البطوليّة عند العرب

  مصر اليوم -

محنة النزعة البطوليّة عند العرب

بقلم :حازم صاغية

في 1841 أصدر الكاتب والمؤرّخ الاسكوتلنديّ (1795-1881) توماس كارلايل كتاباً حظي بشهرة واسعة. وبحسب مؤيّدي الكتاب والمتأثّرين به، وعنوانه «عن الأبطال وعبادة البطل والبطوليّ في التاريخ»، يبني كارلايل «نظريّة الرجال العظام» الذين ينجم التاريخ عن أفعالهم الكبرى. وعبر ستّ محاضرات جُعلت ستّة فصول، طبّق المؤلّف رؤيته على عسكريّين وسياسيّين ككرومويل ونابوليون، وعلى أنبياء كالنبيّ محمّد، وإصلاحيّين كلوثر، وأدباء وشعراء كشكسبير ودانتي، ومفكّرين كروسّو. فالبطل، في عرفه، هو الذي يحترم قوانين الطبيعة ويعيش بموجبها بكلّ ما أوتي من قدرة على الصدق. وهو كان ناقداً لـ«التنوير»، رأى أنّه يفصل المرء عن «طبيعته»، وكان من حججه أنّ الأبطال ليسوا مجرّد نتاجات لظروفهم، بل أفراد يمتلكون صفات استثنائيّة تمكّنهم من تجاوز بيئتهم التي انطلقوا منهم لممارسة تأثيرهم على التاريخ.

لكنّ كارلايل يقول أمرين يعنيان العرب في تجربتهم مع هذا المفهوم. فهو يرفض التصوّر القائل إنّ الأبطال أشخاص سلبيّون تشكّلهم قوى خارجيّة عنهم، ليؤكّد على دورهم وطاقتهم على التأثير. فهم الذين يفرضون مشيئتهم على العالم، ما يدفع المحيطين بهم إلى الالتفاف حولهم. وهو، من جهة أخرى، لا ينكر أهميّة الأسطرة والخرافة في تشكيل سرديّة البطولة، إلاّ أنّه يصرّ على أنّ البطوليّة الحقّة تتجذّر في أعمال ملموسة وفي إنجازات صلبة. فالكاتب، وإنّ عُدّ رومنطيقيّاً متتلمذاً على المدرسة الرومنطيقيّة الألمانيّة، أفرد للإنجاز والإنجازيّة قيمة لا يُمارى فيها كمعيار تتحدّد البطولة والبطوليّ بموجبه.

ومثل الشعوب كلّها، وربّما أكثر من معظمها، طوّر العرب نزعة بطوليّة تجد مصادرها في الدين كما في الحرب والسياسة والشعر.

وفي 1994 صدر للكاتب اللبنانيّ قدري قلعجي، وكانت انقضت ثماني سنوات على رحيله، كتاب حمل عنوان «ثمانية من أبطال العرب»، حيث يعرّف بالتالية أسماؤهم ويؤرّخ لهم: يوسف العظمة وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطّابي وعبد القادر الحسيني وعبد الكريم الخليل وحسن الخرّاط وسعيد العاص ممّن «رفعوا راية العروبة في سماء العالم».

لكنّ المدهش أنّ الثمانية، ممّن تستحقّ تضحياتهم التكريم، قُتل أكثرهم، وهُزموا جميعاً دون أن ينجزوا شيئاً من الأهداف التي أرادوا إنجازها. فالعظمة قضى في معركة ميسلون، صيف 1920، ولم ينجح في الحؤول دون استيلاء الجيش الفرنسيّ على سوريّة. والمختار، أو «أسد الصحراء»، اعتقله الليبيّون الذين حاربهم ثمّ أعدموه في 1931. والجزائريّ أسره الفرنسيّون الذين قاومهم ونفوه في 1855 إلى دمشق حيث توفّي. والخطّابي انهارت «جمهوريّة الريف» التي أقامها كما انهارت مقاومته للفرنسيّين والإسبان في 1926، فنفاه الأوّلون إلى جزيرة لا ريونيون في المحيط الهنديّ، ومنها انتقل إلى القاهرة حيث قضى نحبه. والحسيني، أو «أسد القدس»، قاد «جيش الجهاد المقدّس» وقضى في معركة القسطل ضدّ المليشيات الصهيونيّة في 1948. والخليل أعدمه جمال باشا، الملقّب بـ«السفّاح»، في 1915. والخرّاط قتله كمين فرنسيّ في الغوطة عام 1925. والعاص قُتل في معركة الخضر في فلسطين عام 1936.

ولا شكّ أنّ كتّاباً ومؤرّخين، يفكّرون كما فكّر قدري قلعجي، أضافوا أسماء عاش أصحابها في عقود لاحقة، كجمال عبد الناصر وصدّام حسين ويحيى السنوار وحسن نصر الله، لكنّ النهايات التي انتهى إليها هؤلاء لا تختلف عن نهايات سابقيهم. ولئن كان عبد الناصر الوحيد فيهم الذي توفّي وفاة طبيعيّة، فالمؤكّد أنّ الهزيمة الكبرى التي تعرّض لها قبل ثلاث سنوات على رحيله كانت قد تركت عليه آثاراً يصعب التغافل عنها. لقد غادر الزعيم المصريّ عالمنا عن 52 عاماً.

وأمام هذه المصائر المتكرّرة على نحو يكاد يجعلها قانوناً، تبدو تجارب «البطل» في أزمنتنا الحديثة غريبة تماماً عنها في الأزمنة القديمة، السابقة على الحداثة. فالخلفاء الراشدون أو قادة عسكريّون كخالد بن الوليد وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيّوبيّ...، ارتبطت بطولتهم بانتصارات حقّقوها وأراضٍ نجحوا في فتحها أو الدفاع عنها أو طرد عدوّ منها.

وهذا التباين يُظهر، بين ما يُظهره، أنّ البطولة، بوصفها فعلاً إنجازيّاً يتمّ من خلال القتال، صارت مستحيلة تماماً في الزمن الحديث، أسُمّيت مقاومة أو غير ذلك، إذ الفوارق العسكريّة والتقنيّة والتنظيميّة لم تغدُ هائلة فحسب، بل راحت تتعاظم بإيقاع يوميّ، فيما يتواصل تعاظمها.

وهذا ما قد يساهم في تفسير الاقتران الشائع بين «البطولة» و«الشهادة»، بعدما كانت «البطولة» تقترن، في الأزمنة القديمة، بـ«الانتصار».

لكنّ واقعاً مؤلماً كهذا يحمل مَن يريد أن يتأمّل ويستنتج، بعيداً من الكليشيهات، على التأمّل والاستنتاج. ففي زمن الحداثة يُستحسن بالعرب ألاّ يراهنوا على القوّة وسيلةً للإنجاز، أو للبطوليّة باللغة الكارلايليّة. فإذا كان لا بدّ من البحث عن أبطال، وجب البحث عنهم في غير ساحات القتال والمقاومات. ذاك أنّ الثقافة السياسيّة السائدة، كما عبّر عنها قلعجي وآخرون كثيرون، إنّما تقود عمليّاً إلى تعادل بين الشهادة والانتصار، تصير معه الشهادة هي إيّاها الإنجاز. وهذه نظرة كئيبة وكالحة إلى الذات والعالم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محنة النزعة البطوليّة عند العرب محنة النزعة البطوليّة عند العرب



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 14:28 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 05:22 2017 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

الأخبار السارة تسيطر على الصورة الفلكية في تشرين الثاني

GMT 09:12 2022 الجمعة ,29 إبريل / نيسان

برابوس ترفع قوة مرسيدس-مايباخ GLS 600 إلى 900 حصان

GMT 21:25 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام سليمان يبعث رسالة إلى العالم في حفلة ختام مهرجان القاهرة

GMT 20:44 2016 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

محمد شاهين في رمضان مع كبار النجوم

GMT 19:24 2017 الإثنين ,26 حزيران / يونيو

جون مكنرو يوجه رسائل إلى الصربي ديوكوفيتش

GMT 05:56 2016 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

أبرز 10 كنائس في بريطانيا تحولت إلى منازل فاخرة لإقامة مميزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt