توقيت القاهرة المحلي 08:36:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القضايا العربيّة ونهاية العلاج الأوحد المزعوم

  مصر اليوم -

القضايا العربيّة ونهاية العلاج الأوحد المزعوم

بقلم :حازم صاغية

حتى السبعينات ظلّت الوجهة المسيطرة على الفكر السياسيّ العربيّ، والمشرقيّ منه خصوصاً، تقترح علاجاً واحداً أوحد لهموم تلك المنطقة. فبـ«الوحدة» و«التحرير»، تضاف إليهما أحياناً الاشتراكيّة التي يبدأ تقسيطها بـ«نظام وطنيّ ديمقراطيّ»، تُحقّق عشرات الملايين آمالها المنشودة، لا تردعها عن ذلك «حدود مصطنعة» أو تفاوت يفصل بين دولة ودولة ومجتمع ومجتمع.

وفي هذه الغضون كانت قضايا الأقلّيات تُثار أو تحتقن، بالإثنيّ منها كقضيّة الكرد في العراق، أو بالدينيّ كقضايا اليهود والمسيحيّين العرب. بيد أنّ أصحاب العلاج الأوحد ظلّوا يصرّون على علاجهم إيّاه، مكتفين بوصف المسائل «الطرفيّة» تلك بالمؤسفة، أو بردّها إلى أصابع أجنبيّة، واعدين بأنّها سوف تُعالَج بالعلاج الأوحد نفسه الذي يستأصل كلّ أشكال التفاوت ويجعلنا مثل أسنان المشط.

حتّى الحروب الأهليّة، ابتداء باليمن في مطالع الستينات، ثمّ لبنان في أواسط السبعينات، بولغ في تسييسها هذا حفاظاً على نقاء التحليل. هكذا نُسّبت إلى «يمين» و«يسار» وإلى «تحرّر وطنيّ» يقاوم «الاستعمار».

وكان أصحاب العلاج الأوحد يجدون ما يستمدّون منه المدد في أحداث وظاهرات متفرّقة كثورة الجزائر والعدوان الثلاثيّ على مصر ووحدة مصر وسوريّة، وأخيراً الثورة الفلسطينيّة. لكنْ فضلاً عن تناقص تلك الأحداث والظاهرات، آثر المعتدّون بها تجاهل تناقضاتها الذاتيّة أو تصغير حجم التناقضات تلك. فلا انفصال سوريّة عن «الجمهوريّة العربيّة المتّحدة» استقطب ما يستحقّه من اهتمام، ولا الاحتراب الناصريّ – البعثيّ العاصف بالمعسكر «الوطنيّ والتقدّميّ»، أو حقيقة أنّ الثورة الفلسطينيّة ذاتها إنّما كانت انشقاقاً عن القوميّة العربيّة الناصريّة.

أمّا المرّة الأولى التي انكشف فيها، على نحو مُدوٍّ لا يقبل التستّر والتمويه، أنّ نظريّة العلاج الأوحد لا تعالج شيئاً، فكانت مع أنور السادات. فمن خلال «المبادرة» ثمّ معاهدة كامب ديفيد، تبيّن أنّ الأولويّة المصريّة، وهي استعادة الأراضي الوطنيّة المحتلّة في 1967، تخالفُ الأولويّة التي تفرضها نظريّة العلاج الأوحد، وأنّ حرب 1973 إنّما كانت من صنف اللقاءات العابرة التي تمهّد لافتراق طويل.

ومن موقع مختلف، ضربت إيرانُ الخمينيّةُ النظريّةَ المذكورة من زاويتين: فهي، من جهة، أقحمت الإسلام السياسيّ في أجندة كانت تؤكّد على القوميّة والتقدّميّة. وهي، من جهة أخرى، وهو التأثير الأهمّ، طيّفت المنطقة بما يتعارض كلّيّاً مع مزاعم النظريّة إيّاها. وقد جاءت الحرب التي افتتحها عراق صدّام لتدفع التطييف إلى ذروة لم تَفُقْها إلاّ ذروة الحرب اللاحقة التي شنّتها الميليشيات الخمينيّة، اللبنانيّة والعراقيّة، على السوريّين.

لكنْ ما كادت تتوقّف الحرب العراقيّة – الإيرانيّة حتّى كان الغزو العراقيّ للكويت الذي شطر العالم العربيّ شطرين، واضطُرّ البلد الصغير المغزوّ إلى الاستنجاد بالأجنبيّ للمساعدة على دحر «الشقيق» الغازي.

وكانت أوراق التوت حينذاك تتساقط بغزارة، فترتسم «الأنظمة الوطنيّة التقدّميّة»، وهي الأكثر استثماراً في نظريّة العلاج الأوحد، أنظمة قمع وفساد عاريين مصحوبين بالفشل الإنجازيّ والتوريث الجمهوريّ والسطو على البلدان المجاورة الأضعف.

وفي السياق هذا اندرج انهيار الاتّحاد السوفياتيّ بوصفه الطرف الأبويّ المشرف على اشتغال العلاج الأوحد وقواه المحلّيّة، يهندس جبهاته ويسلّح جيوشه وتنظيماته ويدرّب جواسيسه ثمّ يدافع عنه في مجلس الأمن.

وبدوره فإنّ موضوع فلسطين، «القضيّة المركزيّة» منذ قمّة أنشاص العربيّة في 1946، بات أقلّ مركزيّة بكثير. فاتّفاقيّة أوسلو توقّف إقلاعها بعد بناء سلطة تقلّ كثيراً عن التوقّعات. وإذ عصفت انشقاقات كان أبرزها وأخطرها انقلاب «حماس» واستقلالها بغزّة، ساد شعور عامّ بالضجر حيال قضيّة بدا أنّها لا تُحَلّ، فيما توزّعت الدول العربيّة بين تلك المُنكبّة على شؤونها الداخليّة وتلك المنسحبة تبعاً لأكلاف باهظة لا تستطيع تحمّلها مرّة أخرى. وهذا قبل أن تستولي على «القضيّة» قوى الممانعة وتدرجها بنداً مُتصدّراً في الحروب الأهليّة العربيّة كما تُلحقها بمشاريع النفوذ الإيرانيّ وتوسّعه.

وفي موازاة ذلك كلّه نشأت، بعد 2003، مسألة عراقيّة هي، إلى حدّ بعيد، مستقلّة بذاتها، ثمّ كانت الثورات التي طرحت، في بداياتها، أجندات لبلدانها يصعب وصلها بـ«الهمّ القوميّ الجامع»، بينما راح يصعد ما عُرف بـ«النموذج الخليجيّ» مصحوباً بجاذبيّة لا يربطها رابط بنظريّة العلاج الأوحد. فحين نشبت الحرب الأخيرة التي استدعتها عمليّة 7 أكتوبر، تبدّى افتراق هائل بين التوقّعات الفلسطينيّة والسوريّة واللبنانيّة.

لقد طوّر الناقد الويلزيّ والبريطانيّ رايموند وليمز تصوّراً مفاده توزّع أيّة جماعة ثقافيّة إلى ثلاثة أجزاء: واحدٍ «مسيطر»، وآخر «ناشئ»، وثالث «مترسّب». وقد يجوز لنا إدراج نظريّة العلاج الأوحد في الوعي المترسّب الذي يعادل تأثيرات، واعية أو غير واعية، تخلّفها الممارسات الثقافيّة القديمة على المجتمعات الحديثة. والمترسّب ليس بالضرورة قديماً مهجوراً، إذ هو ناشط وقويّ وفعّال، يزيده قوّةً ضعف الوعيين المسيطر والناشىء. وهذا ما يصف، إلى حدّ بعيد، أحوالنا مع العلاج الأوحد، حيث لا تزال تتردّد تعابير «الوطن العربيّ» و«القضيّة المركزيّة»، وقد تدوم طويلاً على هذا النحو، بينما نمعن في التفرّق أيدي سبأ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القضايا العربيّة ونهاية العلاج الأوحد المزعوم القضايا العربيّة ونهاية العلاج الأوحد المزعوم



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 10:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
  مصر اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt