توقيت القاهرة المحلي 08:31:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا

  مصر اليوم -

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا

بقلم :حازم صاغية

في الحقبة العريضة المنصرمة التي دامت قرناً ونيّفاً، شهد العالم أربعة تطوّرات كبرى تعارفنا على تصنيفها انتكاسات كبرى.ففي 1914 اندلعت الحرب العالميّة الأولى التي جاءت «تتويجاً» لم ينتظره أحد لـ «الزمن الجميل» في أوروبا. ذاك أنّه منذ الحرب الفرنسيّة البروسيّة وقيام الوحدة الألمانيّة في 1871، بدا أنّ القارّة استقرّت على حال واعدة. فحدودها الداخليّة رُسّمت، سيّما وأن إيطاليا شهدت هي أيضاً وحدتها في السياق ذاته. وبعدما صارت الحروب النابوليونيّة تنتسب إلى ماضٍ بعيد جدّاً، انضوت في ذاك الماضي الأحداث الثوريّة الكبرى كالتي عرفها عاما 1830 و1848. لكنّ «الزمن الجميل» كان أيضاً زمن بحبوحة اقتصاديّة شرع السكّان معها يحصدون ثمار الثورة الصناعيّة، وكان زمن تقدّم علميّ وتقنيّ هائل ربط للمرّة الأولى في التاريخ بين أطراف العالم، بالطرق والجسور وسكك الحديد والقنوات، فضلاً عن ربطه أطراف البلدان الأوروبيّة نفسها. وعلى الصعيد السياسيّ كان يتبدّى أنّ النمط الديمقراطيّ شرع يستقرّ ويتمدّد، وأنّ روسيا القيصريّة المتأخّرة، المنزوية في الشرق، تغدو أشبه باستثناء مُنفّر كبير.

وبعد تأسيس «عصبة الأمم»، التي استوحاها الرئيس وودرو ويلسون من أفكار إيمانويل كانط (وكان ويلسون أستاذاً في برينستون يدرّس فلسفة كانط)، تراءى أنّ قواعد جديدة قد ارتسمت لعالم ما بعد الحرب العالميّة الأولى، وأنّ القواعد هذه سوف تقي بشر المعمورة الحروب والكوارث. لكنْ لا. فالتوحّش النازيّ والفاشيّ أمسك بعنق أوروبا وهدّد العالم بأسره، فيما كانت الستالينيّة تصلّب نموذجاً بالغ الاستبداديّة في حكم الملايين. وفي آخر المطاف جاءت الحرب العالميّة الثانية ترفع عدد قتلى الحروب من تسعة ملايين في الحرب الأولى إلى ما بين خمسين وستين مليوناً، كما تزيد نسبة المدنيّين القتلى إلى المقاتلين بمعدّلات غير مسبوقة.

وانتهت الحرب تلك بهزيمة النازيّة، ثمّ نشأت الأمم المتّحدة وريثاً لـ «عصبة الأمم» أصلب منها وأفعل، وكانت محاكمات نورمبرغ، كما انتشرت صرخة «لن يحدث ثانيةً أبداً» بوصفها درساً مستفاداً من المحرقة اليهوديّة، وبدوره طوّر القانونيّ البولنديّ نظريّةً في «الإبادة» أُقرّت دوليّاً، وهذا فيما كانت تنطلق، ابتداء بالهند الكبرى في 1947، حركة الاستقلالات ونزع الاستعمار في «العالم الثالث». لكنْ سريعاً ما أطلّت الانتكاسة الثالثة، من ألمانيا ومن كوريا، مع نشوب الحرب الباردة في فجر الخمسينات. وبوضع الأخيرة أوزارها أواخر الثمانينات، وانهار الجدار الشهير، عمّ التفاؤل بشيوع الديمقراطيّة وزوال الأنظمة العنصريّة وتسوية المشكلات الإقليميّة المزمنة. وبالفعل تحقّقت إنجازات على هذا الصعيد، إلاّ أنّ المذابح، المصحوبة بانهيار الدول، راحت تتسارع هي الأخرى على صعيد آخر. فمن البوسنة ورواندا وميانمار إلى أوكرانيا وسوريّا وغزّة والسودان...، تبيّن أنّه «يحدث ثانيةً» بالفعل، وأنّ الحرب الباردة لم تنته إلاّ لتبدأ حروب ساخنة كثيرة في سائر بقاع الأرض. وفي الآن نفسه، استولت الشعبويّة على السياسة في الأغلبيّة الساحقة من بلدان العالم المؤثّرة وفي الكثير من عموم بلدانه. وها هي المباراة الرثّة والمحزنة بين مرشّحي الرئاسة في أميركا، أو نتائج الانتخابات الأوروبيّة في فرنسا، تُنبئنا بأنّ السياسة تعاني الأمرّين في البلدان التي ابتكرت السياسة بمعناها الحديث.

بطبيعة الحال تحظى أعمال التعليل والسببيّة، وعلى نحو دائم، بأهميّة مطلقة، لكنْ ربّما بات مطلوباً أيضاً قدر من التواضع أكبر، قدرٌ نقتنع معه بأنّ تحليل المشكلات ليس بالضرورة حلاًّ لها، خصوصاً متى تولّى التحليلُ، بهمّة الإيديولوجيّين العُتاة، تنصيب سبب واحد وحيد تُفسَّر به المشكلات من غير استثناء.

ذاك أنّ في وسعنا، ونحن نحصي الأسباب، أن نعدّ كلّ عنصر تقريباً بوصفه مالكَ سهمٍ في الانتكاسات، والكثيرُ من تلك العناصر نقائض ينفي واحدُها الثاني. فمن نقص التحديث إلى الإفراط في التحديث، ومن اللاعقل إلى العقلانيّة الصافية، ومن تفكّك الإمبراطوريّات إلى بناء الامبراطوريّات، ومن إنشاء المستعمرات إلى الفشل في امتلاك مستعمرات، ومن تصدير الرساميل إلى الامتناع عن تصديرها، ومن النيو ليبراليّة إلى الشيوعيّة، ومن الإسلام السياسيّ إلى رُهاب الإسلام، ومن اللاساميّة إلى الصهيونيّة، ومن امّحاء الهويّات إلى انتفاخها...، تزدحم أسباب صالحة كلّها لأن تفسّر انتكاساتنا السابقة والراهنة. فكأنّنا، نحن البشر، يستولي علينا عجز باهر عن تحديد نقاط تتوازن عندها المعاني والمسؤوليّات وعن الإقامة فيها، أو البناء عليها.

وإذا استبعدنا الكلام في «طبيعة البشر» و»طبائع الشعوب» و»أصل الشرّ»، بقي أنّ قدْراً من اللا أدريّة التحليليّة ربّما كان مفيداً، خصوصاً وأنّ ما نسمّيه انتكاسة إنّما يتبدّى جزءاً من التاريخ لا يقلّ أصالة ورسوخاً عمّا نسمّيه صعوداً أو تقدّماً أو استقراراً أو غير ذلك من أسماء حسنى لا تعمّر أكثر ممّا تعمّر الانتكاسات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt