توقيت القاهرة المحلي 05:10:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان: برنامجا استكمال الهزيمة أو ضبطها

  مصر اليوم -

لبنان برنامجا استكمال الهزيمة أو ضبطها

بقلم :حازم صاغية

إذا استبعدنا التشكيك بأغراض بعض الممانعين، وهو استبعاد صعب، واعتبرنا أنّ أفعالهم تعبّر عن وجهة نظر، جاز القول إنّهم يدفعون اللبنانيّين إلى استكمال هزيمتهم باسم انتصار مزعوم وموعود. ذاك أنّ أفعالهم تهبّ في وجه بديهيّات وحقائق تتراكم تحت عيوننا وأنوفنا: فنحن اليوم مهزومون بقوّة، لا لأنّنا نحبّ الهزيمة ونعشق التهويل، بل بسبب مقاومة جرّتنا إلى حرب خسرتها، وخسرها محورها، على نحو مهول، ما جعلنا جميعاً مهزومين شئنا أو أبينا. وما المطالبة بأن تكون المقاومة أداتنا في الخروج من الهزيمة سوى المطالبة باستخدام الداء دواءً، ودفع المرض تالياً إلى سويّة الموت.

 

في المقابل، يحاول رموز العهد الجديد، أي الرئيسان جوزيف عون ونوّاف سلام، ضبط الهزيمة عند الحدّ الذي بلغته. وهي مهمّة بالغة الصعوبة، يزيد في صعوبتها وقوعها بين استفزاز لفظيّ، توريطيّ وتخوينيّ، يمارسه المهزومون، وخططٍ فعليّة قد تكون خطط المنتصرين الإسرائيليّين.

فالموقع التفاوضيّ اللبنانيّ ضعيف جدّاً بسبب الحرب التي تلت انهياراً اقتصاديّاً فادحاً. والدولة العبريّة تعمل على استثمار هذا الاختلال إلى آخر قطرة فيه، فتقول للبنانيّين إنّها لن تسحب قوّاتها في الموعد الممدّد، أي بعد يومين. وبحسب تسريبات صحافيّة، لم تقبل تلّ أبيب بعروض تسوويّة كحلول قوّات دوليّة، أو حتّى أميركيّة، في النقاط التي تتمسّك بالبقاء فيها. وهي ترفق مواقفها بغارات وإقامة إنشاءات عسكريّة وخروق لجدار الصوت إلخ...، مهدّدةً بإحباط الكثير من الآمال التي أثارها انتخاب رئيس جمهوريّة وتشكيل حكومة.

والنهج هذا يبدو أنّه يتعدّى لبنان. فقبلذاك استقبلت إسرائيل سقوط الأسد وفراره، وقيام وضع جديد في سوريّا، بتكثيف ضرباتها الجوّيّة وتوسيع المساحة الترابيّة التي تحتلّها في الأراضي السوريّة، فجاءت أفعالها أشبه بمأتم يخترق العرس.

وتسمح تلك الأفعال والأقوال بافتراض أنّ إسرائيل، بعجرفتها وعدوانيّتها المعروفين، ولكنْ أيضاً بمساواتها الصارمة بين السياسة وتوازن القوى، تستقبل الوضعين الجديدين في البلدين بإذلالهما عبر إخضاعهما لامتحانات بالغة القسوة.

صحيح أنّ الاعتبار الأمنيّ، وتحديداً ضمان أن لا يتكرّر 7 أكتوبر، هو ما تبرّر به تلّ أبيب سلوكها. لكنّ المرجّح أنّها لم تعد تكتفي بالحصول على مقابل أمنيّ، بل ربّما راهنت على جني عوائد سياسيّة إن لم تُدفع مضت تبتزّ الوضعين الجديدين وتُهينهما.

ولا شكّ أنّ فوارق كبيرة تفصل بين التجربة الحاليّة وتجربة الثمانينات. لكنّ التداعي السببيّ المحض الذي أفضى إلى قيام الحالة الراهنة يوفّر للإسرائيليّين استلهام علاقتهم بالرئيس اللبنانيّ المنتخب بشير الجميّل. ونعرف أنّ مناحيم بيغن طالبه، في لقاء نهاريا الشهير، بتوقيع معاهدة سلام وإلاّ سحقه بوصفه مجرّد «ناكر جميل».

بيد أنّ الفوارق تضاعف اختلال التوازن: فجلافة بيغن كان يردعها نسبيّاً رئيس الولايات المتّحدة يومذاك رونالد ريغان. فالأخير، رغم انحيازه الكبير للدولة العبريّة، أسّس موقعاً موازياً لموقعها، لا موقعاً متطابقاً معه، أكان حيال الجميّل أو حيال لبنان نفسه. ففي صيف 1982، وحين تجاوزت القوّات الإسرائيليّة جنوب لبنان وبدأت بقصف منظّمة التحرير الفلسطينيّة في بيروت كانت المكالمة الشهيرة الغاضبة بينه وبين بيغن، فطالب الأوّلُ الثاني بوقف العمليّة. وإبّان الغزو، تدخّل ريغان تدخّلاً مباشراً حين هدّدت إسرائيل بتفجير فندق «الكومودور» حيث يقيم عشرات الصحافيّين الأجانب، ثمّ فرض قيوداً على المعونات العسكريّة لتلّ أبيب لإجبارها على الانسحاب من بيروت والداخل اللبنانيّ. ولاحقاً، مع عهد أمين الجميّل في مفاوضات 17 أيّار، تواطأ الأميركيّون مع اللبنانيّين للحدّ من جموح الإسرائيليّين. أمّا اليوم، مع ثنائيّ ترامب ونتانياهو، فالتطابق أكبر كثيراً من التباين.

والحال أنّ نظريّة «الشرق الأوسط الجديد» التي ينسبها نتانياهو إلى نفسه قد ترتّب على الوضعين الجديدين ديوناً لم يَستدِنها أيٌّ من البلدين. فإذا صحّ أنّ بشير الجميّل دُفع دفعاً إلى طلب العون الإسرائيليّ، فهذا ما لم يفعله أحمد الشرع أو جوزيف عون ونوّاف سلام. مع ذلك قد يعاملهم نتانياهو بوصفهم مَدينين لما فعله، يحاولون مداراة حرجهم بالمضيّ في الإنكار والتكتّم. وهذا جميعاً يعزّز، في تلّ أبيب، رغبات الإذلال والإهانة، بقدر ما يمعن في إضعاف الموقع التفاوضيّ الضعيف للوضعين الناشئين. وبسبب جنون غير عابىء بالمسارات السياسيّة والديبلوماسيّة، بتنا نرى كيف أنّ الحكومات التي لم توقّع معاهدة سلام تُعامَل كما تُعامَل القوى غير الدولتيّة والميليشيويّة، فيستمرّ اعتصارها وانتهاك سيادتها إلى أن تدفع ثمناً سياسيّاً ترغب فيه إسرائيل.

فالوضع إذاً دقيق وحسّاس، يستدعي تضافراً واسعاً حول برنامج مسؤول يضبط الهزيمة عند الحدّ الذي بلغته، في ظلّ توازن قوى بالغ الاختلال. أمّا الممانعون المشهّرون بعون وسلام، والماضون في ألعاب تجمع السخافة إلى الخبث، والخفّة إلى الارتهان، في المطار وغير المطار، فيُستحسن أن يوقفوا دفع لبنان إلى الهاوية بحجّة إنقاذه كما «أنقذوه» خلال حربهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان برنامجا استكمال الهزيمة أو ضبطها لبنان برنامجا استكمال الهزيمة أو ضبطها



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt