توقيت القاهرة المحلي 05:05:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كيف يُحيَى شارع الحمرا البيروتي؟

  مصر اليوم -

كيف يُحيَى شارع الحمرا البيروتي

بقلم :حازم صاغية

أعلنت إدارة «مسرح المدينة» في بيروت أنّها ستعقد «لقاء» عنوانه «إحياء شارع الحمرا: الذاكرة والحياة». والحال أنّ جهداً كهذا ضروريّ ومطلوب، خصوصاً أنّ شارع الحمرا ليس كأيّ شارع في بيروت أو في أيٍّ من المدن المجاورة. فهو لعقود ظلّ عاصمة العاصمة، والبقعة الكوزموبوليتيّة الأولى في الشرق الأوسط. فهناك عاش اللبنانيّ، المدينيّ كما المهاجر من الريف، في جوار الأميركيّ والبريطانيّ والفلسطينيّ والعراقيّ والبحرانيّ والهنديّ والباكستانيّ والنيجيريّ...

ذاك أنّ الحمرا، بانتقاله من حالة الطبيعة الأصليّة والخام، حيث السيادة للصبّار والرمل والثعالب، شكّل نقطة الذروة التي بلغها لبنان ما قبل حرب 1975. فهو الذي صنعه الفعل الإنسانيّ الجمعيّ والعابر للحدود من خلال السينمات والمسارح والمكتبات والفنادق والمقاهي والمطاعم ومكاتب الوكالات التجاريّة وفروع المصارف... وكان للتجارة في الحمرا، بالتضامن مع التنوّع الطائفيّ، ومع تمتّع المرأة بحرّيّات تحدّ منها المجتمعات الأهليّة المغلقة، أن أسّست هذا الكائن الجديد الذي يقصده مثقّفون وسيّاح ورجال أعمال وافدون من أمكنة بعيدة شتّى، سيّما وأنّه شكّل فضاء تعبيريّاً مفتوحاً لا تُمنع فيه الكتب والمسرحيّات والأفلام السينمائيّة، وبالطبع لا يُمنع الكلام الذي يعبّر عن آراء مطلقة الاختلاف والتباين.

والكائن الجديد هذا ما كان ليكون شارع الحمرا لولا الجامعة الأميركيّة في بيروت. فبسببها نشأت الحاجة المتعاظمة إلى توفير مطالب الأساتذة والطلاّب في السكن والمأكل والمكتبات، وظهر من يؤجّر البيوت للذين يستأجرونها. لكنّ ما هو أبعد أنّ الجامعة المذكورة هي التي حوّلت شارع الحمرا، وحوّلت منطقة رأس بيروت بأسرها، مساحةً لا يتحكّم نظام القرابة الشرقيّ بالإقامة فيها. فـ «الجار» ليس بالضرورة الأخ أو ابن العمّ، إذ هو قد يكون مواطناً من أيّة دولة على سطح الكوكب.

هكذا صار شارع الحمرا ما صاره لأنّه، من جهة، «نحن»، ومن جهة أخرى، «ما ليس نحن». وهو، من جهة، ما يشبهنا، ومن جهة أخرى، ما لا يشبهنا، فيه تُسمع أصواتنا والأصوات التي نحبّ أن نسمعها، وفيه تُسمع أصوات لا نحبّها ونتمنّى، في دواخل أنفسنا الرديئة، أن لا نسمعها. أي أنّه، تالياً، المدينة المثلى التي تختلط فيها الألسنة وتتبلبل، اختلاط الأوجه والسحنات والآراء والمواقف، فنعثر فيها على ذواتنا ونضيعها في الوقت عينه. وهذا إنّما هو النقيض للقرية المثلى التي تضجّ بالأهل الذين لا نضيع معهم، وإذا ضعنا ضعنا فيهم، بينما لا يقول أيٌّ منهم إلاّ الكلام الذي نُجمع كلّنا على قوله.

وهذا إنّما كان متاحاً في بلد لا يحارب ولا يتغزّل بالحرب والمقاومات، كما لا يفرض على مواطنيه إيديولوجيا رسميّة تدلّهم إلى الصواب الذي يُفترض بهم أن يعتنقوه، وإلى الخطأ الذي يُفترض بهم أن يجتنبوه.

بلغة أخرى فإنّ شرط إحياء الحمرا هو بالضبط موت الحرب والعنف والعسكرة والرأي الواحد «القويم»، وهو في آخر المطاف ما لا ينفصل عن إحياء لبنان التعدّديّ إن كان إحياؤه لا يزال ممكناً.

فالحالة الحربيّة هي التي قوّضت، عقداً بعد عقد، العناصر التي جعلت شارع الحمرا ما صار عليه. فهي التي هجّرت السكّان على قاعدة طائفيّة وعقائديّة. والتهجير هذا، بالمنظور منه وغير المنظور، إنّما استمرّ وتطاول فكانت آخر موجاته، وإن لم تكن الأكبر حجماً، في 2008، حين استولى «حزب الله» والجماعات التابعة له على العاصمة.

كذلك ساد، مع الحالة الحربيّة وتمدّدها، خطف الأجانب وقتل بعضهم، الأمر الذي تعاظم مع ربط لبنان بالحرب العراقيّة – الإيرانيّة في الثمانينات. وكان أحد الضحايا الكثيرين رئيس الجامعة الأميركيّة والباحث السياسيّ مالكولم كير، المقتول في 1984.

وفي موازاة الحالة الحربيّة المتواصلة انتشر التعصّب المحليّ على أنواعه، كما انتشرت المزاعم القوميّة والدينيّة المتورّمة، ما جعل كوزموبوليتيّة الحمرا لزوم ما لا يلزم، مانحاً الشكّ بالغريب «المشبوه» و«الجاسوس» مشروعيّة وطنيّة وأخلاقيّة.

ولطالما شاع التباهي بهويّات أصليّة مناهضة للحداثة وكارهة للغريب، شيوع الافتخار بحروبنا التي منعت أيّ انتظام مدينيّ وأطلقت هجرات عشوائيّة دفع ضحايا الحروب أكلافها، لتبلغ ذروتها مع «حرب الإسناد» المأسويّة. وما لبث أن تبيّن أنّ ذاك التباهي هو إعلان عن استحالة المدينة، واستحالة شارع كالحمرا.

وبعد رقابة نظام الوصاية السوريّ وتابعيه على الصحف والمجلاّت، مورست رقابة تحريميّة على الكتب والأفلام التي لا تنطبق عليها المواصفات، العجائبيّة والاستبداديّة، للوطنيّة.

وإنّما عملاً بهذه الثقافة الاستئصاليّة أريدَ تلخيص الحمرا، بتاريخها وبشرها ومؤسّساتها وما صنعته وما رمزت إليه، بشابّ أطلق مشكوراً رصاصتين على جنود غزاة إسرائيليّين في 1982. وحتّى الأمس القريب، ظلّ شارع الحمرا يشهد استعراضات شبه عسكريّة في مناسبات تخصّ حزباً بعينه، حزباً لا يزال يرفع صلباناً نازيّة معقوفة عُدّل شكلها قليلاً كي تُسمّى زوابع.

فـ «إحياء شارع الحمرا»، هو الآخر يستدعي حصر السلاح في يد الدولة، مثلما يستدعي إنقاذ «الذاكرة والحياة» من التلخيص الكاذب، محواً للأولى وتزويراً للثانية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيف يُحيَى شارع الحمرا البيروتي كيف يُحيَى شارع الحمرا البيروتي



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt