توقيت القاهرة المحلي 06:54:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

... فلنتحدّث بلا توقّف عن «حزب الله»

  مصر اليوم -

 فلنتحدّث بلا توقّف عن «حزب الله»

بقلم:حازم صاغية

على مدى عقود تعرّضت منطقة المشرق لظاهرتين – نكبتين، إحداهما الانقلاب العسكريّ والدولة الأمنيّة التي أنجبها، وكانت سوريّا والعراق مسرحي الظاهرة هذه، ثمّ الميليشيات النضاليّة وكان لبنان محطّتها الأبرز. والظاهرتان هاتان، حتّى لو سقط آخر ممثّليهما، ينبغي الرجوع إليهما مرّةً بعد مرّة، والتذكير بهما، استفادةً من عِبَر التجربتين ومنعاً لتكرارهما، إذ لا يُبنى مستقبل صلب على قراءة رخوة للماضي. فالمشكلة لا يحلّها النسيان ومواعظ العفو عمّا مضى، أو التركيز على هموم اليوم وطيّ صفحة الأمس، كما لا تحلّها الأجواء التي ترافق مناسبات التشييع، والتشييعُ تظاهرة لعواطف جريحة ومنبر لكلام مجروح.

وفي ما خصّ اللبنانيّين، سيبقى حاسماً استرجاع المعاني التي تستعيد ما انطوت عليه الظاهرة – الكارثة في حياتهم.

فالبلد، منذ نشأته الحديثة وحتّى قيام «حزب الله»، كان معتاداً على الأجسام السياسيّة الصغرى، ببعضها الطائفيّ الذي يعبّر عن جماعات بعينها، كما ببعضها العقائديّ الذي نادراً ما غادر الهامش إلى المتن. أمّا الحزب، حيث اجتمع التنظيم الحديث والأفكار السحيقة في ظلّ قائد كاريزميّ، فكان دائماً شيئاً أكبر كثيراً من الطاقة المتواضعة لبلد صغير. وهناك عشرة أسباب على الأقلّ ساهمت في رسم صورته كفاعل ضخم واستثنائيّ في حضوره وقدرته على التدمير.

فأوّلاً، هو حزب سلاح دائم. صحيح أنّه لم يكن أوّل تنظيم مسلّح لبنانيّ، أو عاملٍ في لبنان، لكنّ «حزب الله» أوّل تنظيم لا يسلّم سلاحه كائناً ما كان السبب الداعي، كما لا يربط تسليمه بإنجاز وهدف محدّدين. وهكذا فالتضادّ بينه وبين قيام دولة تحتكر أدوات العنف تضادٌّ مطلق. فإمّا أن تكون دولة ولا يكون سلاح «حزب الله»، أو أن يكون سلاح «حزب الله» ولا تكون دولة.

وثانياً، عرف لبنان عديد الأحزاب الطائفيّة التي تدافع، أو تزعم الدفاع، عن جماعتها وعصبيّتها، من دون أن تكون بالضرورة دينيّة ومؤمنة. وهو عرفَ قليلاً جدّاً من الأحزاب الدينيّة المهتمّة بالدعوة والتبشير، من دون أن تكون بالضرورة طائفيّة. لكنْ مع «حزب الله» هناك حزب دينيّ وطائفيّ في آن. وقد يقال إنّ الصفة هذه توفّرت في «الإخوان المسلمين» («الجماعة الإسلاميّة»)، إلاّ أنّ نفوذ الأخيرين في لبنان ظلّ محدوداً جدّاً وعاجزاً عن إحداث تأثير فعليّ في الواقعين السياسيّ والاجتماعيّ.

وثالثاً، هو حزب لا يكتفي بالسطو على قرار الحرب والسلم، بل يمارسه بزجّه البلد في مواجهات تلامس البقاء والفناء. وحتّى لو وضعنا جانباً حروبه الصغرى، تبقى حربا 2006 و»الإسناد» شاهداً لا يخطئ على قولنا.

ورابعاً، هو حزب مُدمّر للنسيج الوطنيّ اللبنانيّ (ومساهم قويّ في تَمذهُب العالم الإسلاميّ)، تبعاً لإشعاره الآخرين بعدم المساواة في امتلاك أدوات القوّة، واحتياجهم تالياً إلى طمأنته. وهذا علماً بأنّ تجارب، أهمّها اجتياح بيروت في 2008، أخلّت بمزاعم الطمأنة تلك.

وخامساً، هو حزب احتلاليّ وتوسّعيّ، على ما يدلّ خصوصاً دوره في سوريّا بعد ثورتها في 2011، والذي لم ينته كلّيّاً حتّى اليوم. ولكنْ أيضاً هناك الأدوار التي لعبها في بلدان أخرى (العراق، اليمن...) بالتعارض مع رغبات شعوبها أو أجزاء وازنة منها.

وسادساً، إذا صحّ أنّ القوى السياسيّة اللبنانيّة غير مبرّأة من العلاقة بالخارج، يبقى أنّ إيرانيّة الحزب شيء آخر. فهو ليس فقط جزءاً من الاستراتيجيّة الإيرانيّة، بل أيضاً جزء من الممارسة الأداتيّة لتلك الاستراتيجيّة. وفي المقابل، كان لدعم بلد قويّ كإيران (وسوريّا الأسد) أن قوّى الحزب على نحوٍ وامتداد زمنيّ لم يحظ بهما أيّ حزب في علاقته مع طرف خارجيّ.

وسابعاً، أنشأ الحزب عالماً موازياً للاجتماع اللبنانيّ، وهو ما امتدّ من بضع أفكار غيبيّة معمّمة إلى الزعامة المعصومة، وصولاً إلى نشر قيم بائدة وطقوس غالبها غير لبنانيّ تقليديّاً، بل إلى توطيد دورة اقتصاديّة وخدميّة لا تندرج في دورة الاقتصاد الوطنيّ.

وثامناً، مجّد الحزب الموت بذريعة تمجيد الشهادة، وفي الوقت نفسه سيّدَ تطبيع العنف وأعمال القتل والاغتيال التي مارسها بإفراط بوصفها من طبيعة الأشياء وعاديّات الحياة السياسيّة.

وتاسعاً، صدَّ لبنان عن محيطه العربيّ والعالم الأوسع، فباتت صادرات هذا البلد إلى سواه تتراوح بين أدوات الإرهاب وحبوب التخدير. هكذا بدا طبيعيّاً نضوب الدعم والاستنكاف عن الاستثمار في بلد صارت العزلة سِمَته، علماً بأنّ موقعه وتكوينه وضآلة موارده تحضّ كلّها على عكس ذلك.

وعاشراً، أنشأ تقسيم عمل مع ما يسمّيه البعض منظومة الفساد الحاكمة، فحمى واحدهما الآخر. وفي هذه الغضون تولّى الحزب قمع حركات التغيير السياسيّ، ما تبدّى في أوضح أشكاله مع 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

أمّا مسؤوليّات الشيعة اللبنانيّين، واللبنانيّين غير الشيعة، والدولة والمجتمع، في بلوغ ذاك الدرك، ومن ثمّ في مغادرته المأمولة، فتبقى أساسيّة جدّاً تستدعي، هي الأخرى، العودة إليها، والتنقيب فيها، مرّة بعد مرّة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 فلنتحدّث بلا توقّف عن «حزب الله»  فلنتحدّث بلا توقّف عن «حزب الله»



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt