توقيت القاهرة المحلي 17:18:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سوريّا إذ تغيّر بعض الثقافة السياسيّة العربيّة

  مصر اليوم -

سوريّا إذ تغيّر بعض الثقافة السياسيّة العربيّة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

في 1968 حصل الغزو السوفياتيّ لتشيكوسلوفاكيا السابقة. «ربيع براغ» داسته دبّابات حلف وارسو. ألكسندر دوبتشيك، الشيوعيّ الذي أراد أن يجدّد الاشتراكيّة ويعطيها «وجهاً إنسانيّاً»، سيق إلى موسكو. أوروبا أصيبت بجفلة أكبر من تلك التي انتابتها في 1956، حين سحقت الدبّابات إيّاها ثورة هنغاريا. صحيح أنّ ذاك العام نفسه شهد انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ وإدانته جوزيف ستالين والستالينيّة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الانعطاف الخروتشوفيّ لم يشمل أوروبا الوسطى التي أريد لها أن تبقى حزام الاتّحاد السوفياتيّ وأمنه. وبعد كلّ حساب، فالغزوة الهنغاريّة حصلت بعد ثلاث سنوات فقط على رحيل ستالين، أمّا الغزوة التشيكوسلوفاكيّة فجرت بعد 12 سنة على ذاك الرحيل.
بعد هنغاريا 56، قيل أنّ ستالين مات، لكنّ الستالينيّة لم تمت. بعد تشيكوسلوفاكيا 68، قيل أنّ ستالين مات، لكنّ الستالينيّة لن تموت.
مسألة الستالينيّة لم يُعرها العالم العربيّ كبير اهتمام. الكتلة الضخمة والوازنة فيه وقفت إلى جانب الغزو السوفياتيّ لتشيكوسلوفاكيا. القلّة المعترضة لجأت إلى الصمت أو التعبير المداور. ذاك أنّ العرب كانوا، قبل عام واحد، قد عانوا هزيمة 67 المذلّة. وموسكو، كما ذهبت الرواية الشائعة، حليفنا في مواجهة إسرائيل، وهي بدأت عامذاك ترسل خبراء وضبّاطاً إلى مصر كي يشاركوها خوض «حرب الاستنزاف» ضدّ الإسرائيليّين. الدولة العبريّة، في المقابل، تقف ضدّ الغزو السوفياتيّ، وهذا سبب كافٍ لتأييده، فكيف وأنّ أفاعي «المؤامرة اليهوديّة»، وفقاً لبعض الأصوات يومذاك، تتسلّل هي الأخرى نافثةً السمّ الذي لا تملك غيره.
في الحرب الأوكرانيّة الدائرة اليوم تغيّرت مواقع ومواقف. التغيّر ليس نوعيّاً، لكنّه ملحوظ. فالأكثريّة العربيّة الوازنة لا تزال تؤيّد روسيا لأسباب عدّة: كراهية أميركا سبب، وثقافة التعلّق بالسلطويّة والإعجاب بالسلطويّين سبب آخر، والرفض - المُحقّ من حيث المبدأ - لواحديّة الأقطاب سبب ثالث، وهذا فضلاً عمّا تبقّى من ذاكرة «الصداقة العربيّة – السوفياتيّة» في مواجهة «المخطّط الإمبرياليّ»...
لكنْ خلال الـ 54 عاماً التي تفصلنا عن تشيكوسلوفاكيا 68 بتنا نسمع أصواتاً أخرى: التعليم ومعرفة أحوال العالم باتا أوسع نطاقاً. الحساسيّة حيال العدالة وحقوق الضعفاء واحترام استقلال الكيانات الصغرى صارت تخاطب أعداداً أكبر، لا سيّما في أوساط الشبيبة. المقارنات والمشابهات صارت تعبّر عن نفسها في أصوات بعض اللبنانيّين وبعض الكويتيّين الذين عرفوا معنى الجوار الجغرافيّ حين يكون جائراً واستبداديّاً. شيوعيّون، في السودان والعراق، أصبحوا أنصاف شيوعيّين أو شيوعيّين سابقين، وقوميّون عرب، في كلّ بلد تقريباً، أصبحت القوميّة من ماضيهم. الأوّلون باتوا أقلّ ثقة بفوائد «الصداقة العربيّة السوفياتيّة» وعديمي الثقة بفوائد الصداقة مع بوتين. بعضهم ربّما تذكّروا أنّ كارل ماركس نفسه كان قد حذّر، منذ خمسينات القرن التاسع عشر، بأنّ الغزو صار طبيعة ثانية للدولة الروسيّة منذ بطرس الأكبر، مطالع القرن الثامن عشر.
أمّا القوميّون العرب الذين صاروا سابقين فلم تعد تثير فيهم أحلاف معارك المصير، بمعانيها الناصريّة والبعثيّة، أكثر من ابتسامة صفراء. أن يلتقي بينيت وبوتين في سوتشي فيما الطائرات الإسرائيليّة تدكّ دمشق أكبر من أن تُسيّله أمعاء تسيّل الحجارة. لقد تحدّث بينيت عن روسيا بوصفها دولة «تجمعنا بها حدود مشتركة». بوتين، نقلاً عن «هآرتس»، طالب بينيت بأن «تحسّن إسرائيل الإخطارات التي ترسلها إلى موسكو بشأن أنشطتها في الأراضي السوريّة، وأن تكون أكثر دقّة في ذلك».
العوامل تلك وغيرها أضعفت الأكثريّة المؤيّدة للحرب الروسيّة. قلّلتها قليلاً. لكنّ سوريّا كانت أكثر ما تسبّب بذاك الإضعاف. اليوم، قد لا نبالغ إذا قلنا إنّ السوريّين هم الشعب الوحيد في العالم العربيّ الذي تقف أكثريّته إلى جانب أوكرانيا، ولو بشيء من العتب على تفاوت الغربيّين في المعاملة. هناك، في سوريّا، اختُبرت العلاقة مع موسكو بالنار: تدمير حلب وحماية نظام متداعٍ، إنشاء قواعد عسكريّة، تهجير قطاعات سكّانيّة وتحويل البلد حقلاً لتجريب الأسلحة الروسيّة... بعض المراقبين والاستراتيجيّين باتوا اليوم يتحدّثون عن «تطبيق النظريّة السوريّة في أوكرانيا». السوريّون يعرفون باللحم الحيّ ما الذي يعانيه الأوكرانيّون.
لكنْ أيضاً، هناك الثورة السوريّة وعموم الثورات العربيّة. معها حُفرت الحرّيّة والكرامة الإنسانيّة، للمرّة الأولى، في قلب الثقافة السياسيّة العربيّة، وتأكّد أنّ شعوبنا ليست «استثناء» في العالم، وأنّ ما يحرّكها ليس فقط قضايا القوميّة والوحدة وتحرير فلسطين، بل قد تتحرّك أيضاً طلباً للحرّيّة. هذا المكسب الكبير يفسّر التحوّل الجزئيّ الذي حصل. إنّه يستحقّ توجيه الشكر للسوريّين وثورتهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريّا إذ تغيّر بعض الثقافة السياسيّة العربيّة سوريّا إذ تغيّر بعض الثقافة السياسيّة العربيّة



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt