توقيت القاهرة المحلي 08:45:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللاجئون والمهاجرون بعد الانتخابات الأوروبيّة

  مصر اليوم -

اللاجئون والمهاجرون بعد الانتخابات الأوروبيّة

بقلم - حازم صاغية

جاءت نتائج الانتخابات الأوروبيّة لتدلّ، مرّة أخرى، إلى صعوبات الربط بين التيّارات العريضة في مجتمعات أوروبا وحركة التضامن العالميّة مع غزّة. وإذا ما وصل دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركيّة، بعد أشهر، فلن يكون وصوله سوى تعزيز لتلك الصعوبات. فحتّى تعبير «الشبيبة»، الذي غالباً ما استُخدم مؤخّراً للتدليل على موقف واعد وجديد من إسرائيل، بات ينافسه استخدام آخر للتعبير ذاتِه مؤدّاه تصويت الشبيبة المتعاظم لأحزاب اليمين المتطرّف.

والحال أنّ الذين شبّهوا ما حصل في الجامعات الأميركيّة، وجزئيّاً الأوروبيّة، بالستينات الأميركيّة والأوروبيّة، فاتَتهم الفوارق التي أشار إليها غير مراقب. فالستينات الأميركيّة إنّما اتّصلت بالاعتراض على حرب فيتنام وقد كلّفت قتلى أميركيّين، كما فرضت التطوّع للقتال في الجيش الأميركيّ وحربه. لكنّها، فوق ذلك، ما لبثت أن طوّرت مواقف من الثقافة والأخلاق والتعليم والجنس والبيئة والموسيقى والملبس...، ما أكسب تعبير «الستينات» معناه الذي ساد، والذي يتعدّاه كتعيين زمنيّ. أمّا في أوروبا فاستهدفت الحركة الطلاّبيّة بُنى مترهّلة تشمل الأحزاب والنقابات والبيروقراطيّة والعمليّة السياسيّة بأكملها، استهدافها منظومة أفكار ومعتقدات بدا للشبيبة أنّ زمن صلاحيّتها انتهى، بالقوميّ الديغوليّ منها كما بالاقتصاديّ الشيوعيّ.

بلغة أخرى، كانت الستينات الأميركيّة والأوروبيّة داخليّة جدّاً، وهو ما لا يصحّ بتاتاً في حركة التضامن الطلاّبيّة مع غزّة. هكذا بتنا مؤخّراً نسمع أصواتاً متزايدة لمثقّفين غربيّين بارزين، ربّما كان آخرهم الباحث الفرنسيّ أوليفييه روا، لا يكتفون بنفي السياسة عن الحركة الأخيرة، بل يذهبون إلى تصنيفها تعبيراً عن موقف أخلاقيّ يحلّ محلّ السياسة.

لكنْ لئن ساد رفض مُحقّ لتلك المبالَغة الممالئة لإسرائيل في ربط حركة التضامن بالدين وباللاساميّة، فإنّ برّانيّتها تبقى لافتةً تبعاً للموقع الوازن الذي تحتلّه فيها الجماعات المهاجرة، المختلفة دينيّاً وإثنيّاً عن أغلبيّة الغربيّين. أمّا توهّم تحوّلها إلى طرف داخليّ، عبر صلتها بجماعات أقصى اليسار، فلن يفعل غير مضاعفة تلك البرّانيّة، إن لم يكن مضاعفتها. ففضلاً عن إسهام التعويل على أقصى اليسار في شحذ أقصى اليمين، يلوح ذلك استعانةً بنزعة باتت تبدو «عالم ثالثيّة» لم يعد يتّسع لها المتن العريض، السياسيّ والفكريّ، في البلدان الغربيّة. أمّا العنصريّون ومتطرّفو اليمين الذين لا يكفّون عن التخويف بـ»حصار» أوروبا و»استبدال» سكّانها، فيعثرون في تعويل كهذا على سلاح آخر يتّهمون خصومهم باستخدامه في الحصار المزعوم هذا. وحين تظهر أصوات متحمّسة تعتبر أنّ حركات التضامن مع غزّة مقدّمة لتحويل العالم ولتغييره، فهذا إنّما يلوح أقرب إلى شهادة تجزم بالبرّانيّة التي تتفرّج على أوروبا وأميركا من خارج أسوارهما. فكيف حين يكون الحليف هامشيّاً فيما القضيّة الذي يُبنى عليها النشاط السياسيّ برمّته خارجيّةٌ بقياس الهموم الفعليّة للمجتمعات وجماعاتها؟

ما من شكّ في أنّ الاقتصاد النيوليبراليّ لعب دوره في إيصال الأمور إلى السوء الذي بلغته، وذلك عبر تقليص دور الدولة وضرب وسائط الدمج الاجتماعيّ كالأحزاب والنقابات، إلاّ أنّنا أيضاً أمام عوامل أخرى لا تقلّ أثراً وتأثيراً.

ذاك أنّ ما تعيشه البلدان الغربيّة تجربة بناء مجتمعات تعدّديّة ثقافيّاً ودينيّاً، ومعها ارتدادات ذاك المشروع وإخفاقاته. وهنا لا بدّ من البحث عن نقاط تقاطُع تُبنى بين الأطراف المعنيّة. فالمجتمع الذي سبق للدين والقوميّة أن تراجعا فيه ستتزايد صعوبة تكيُّفه مع وافدين متشدّدين في الدين والقوميّة. وهكذا سيكون اللقاء في منتصف الطريق فرصة لتصحيح التعدّديّة ورفع فرص نجاحها، فضلاً عن تسهيل الاندماج بحيث لا يبدو تحدّياً لسواهم ولطرق حياتهم. فالرابط الكونيّ ليس معطى متحقّقاً، بل مهمّة مطروحة على البناء وعلى المستقبل، قد تنجح وقد تفشل، ما يوجب استبعاد التصرّف على أساس أنّ الغربيّين هم وحدهم المطالَبون بالبرهنة على كونيّتهم.

وهذا، في ما خصّ النُخب، إنّما يلحّ على ضرورة الاستثمار في وعي الكتل المهاجرة واللاجئة، بدءاً بدفعها إلى مشاركة أكبر في العمليّات الانتخابيّة وصولاً إلى تشجيع الأفكار والممارسات المستنيرة والحديثة في أوساطها، وهذا مصحوباً بوقف النفخ في الماضي الاستعماريّ و»نزع الاستعمار» وإبداء درجة أعلى من الاكتراث بمصالح اللاجئين والمهاجرين وباندماجهم. والراهن أنّ الكثير من «الاستراتيجيّات» التي وُضعت لا تأخذ تلك المصالح في الحساب فكأنّها تريد أن «تأخذ الدنيا غلابا» في المجتمعات الغربيّة.

صحيح أنّ نجاح الوسط، بيمينه ويساره، في الاحتفاظ بالموقعين الأوّل والثاني على نطاق قارّيّ عنصر مطمئن، وكذلك إعلان أحزاب اليمين الأقصى تمسّكها، حتّى لو كان لفظيّاً فحسب، بالعمليّة الديمقراطيّة ومبدأ تداول السلطة. لكنّ استشراف الوجهة العريضة، سيّما إذا استمرّت الأوضاع الاقتصاديّة وغير الاقتصاديّة في التردّي، يستدعي القلق والتنبّه وفعل كلّ ما يمكن فعله لوقف هذه الوجهة الخطرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللاجئون والمهاجرون بعد الانتخابات الأوروبيّة اللاجئون والمهاجرون بعد الانتخابات الأوروبيّة



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt