توقيت القاهرة المحلي 07:35:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بكائيات التغيير

  مصر اليوم -

بكائيات التغيير

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

أصبحت هناك ظاهرة فى المجتمع المصرى يوجد فيها مَن يعبرون عن الأسف الشديد والحسرة الدائمة على أن المصريين تغيروا وأصبحوا فى حالة غير تلك التى كانوا عليها. المقارنة فى معظم الأحوال تأخذ منحى أن الماضى كان جنة، أما الحاضر والأرجح فى المستقبل أيضًا، فهو جهنم وبئس المصير. المقارنة دائمًا تأخذ من الأحداث اليومية الوقود الذى تغذى به الفكرة حينما تتحول أحداث القتل والاغتصاب والعنف الدموى تجاه الأسرة والعائلة والجيرة إلى حالة عامة كانت مصر بريئة منها فى عصور سابقة. فى أحوال أخرى تكون المقارنة فى مجال الفن والأدب والسلوكيات العامة، حيث يبدو فى أيامنا هذه غريبًا وضجيجًا وخارجًا على الناموس العام، الذى ازدهر فيه الأمراء والأميرات من أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم ومحمود مختار وطه حسين وعباس محمود العقاد والأميرة التى تبرعت لبناء جامعة القاهرة، وهكذا طابور طويل ممن أسهموا فى ازدهار حياتنا.

ولكن هؤلاء على كل ما قدموه كانوا نخبة صغيرة لا تتعدى عشرات أو مئات من المتميزين، الذين بزغوا وسط شعب تراوح ما بين عشرة ملايين نسمة فى بداية القرن العشرين وعشرين مليونًا فى منتصفه. وهؤلاء لم ينته نفوذهم وتأثيرهم عند قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وإنما ظلوا على قيادتهم للنخبة الفكرية حتى العقد الثامن من القرن عندما باتت مصر ٤٠ مليونًا فى عام ١٩٨٠، ووصلت إلى ٧٠ مليونًا عند نهاية القرن وبداية القرن الواحد والعشرين. الآن نعلم الرقم المئوى وما هو أكثر، ولكن المنتج المصرى لم يعد أفرادًا، وإنما مؤسسات كبيرة للتعليم والثقافة والنشر، والفهم المتأثر بعالم واسع من المعرفة الذائعة، والمسابقات والتنافس الكونى فى مجالات كثيرة. ربما أصبحت مصر مصرية بأكثر من أى وقت مضى، فمنذ عام ١٩٨٢ فقط باتت مصر، ولزمن قدره أربعون عامًا كاملة، متحررة من كل احتلال أو استعمار أو تبعية أو قيادة قادمة من الخارج، منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.

لم تعد مصر حرة فقط وأهلها أحرارًا فحسب، وإنما أكثر من ذلك معبرة عن نفسها ومتصلة مع غيرها من بقاع الأرض بأكثر من أى وقت مضى فى التاريخ. نتاج ذلك كله فى الإبداع والتعبير تراكم خلال العقود الماضية، ولكن فحص ذلك ودراسته فى جميع المجالات لا يزال فقيرًا، ومع الفقر استمرت البكائية على التغيير المتجه إلى أسفل فائزة على إدراك ما هو أعلى. المعضلة الكبرى هى أن مَن عاشوا تحت تأثير مصر فى النصف الأول من القرن العشرين يخلقون فجوة شاسعة مع مَن وجدوا أنفسهم داخل القرن الواحد والعشرين. وإذا علمنا أن مَن هم أعلى سنًّا من ٦٥ عامًا يشكلون تقريبًا ٧٪ فقط من المصريين، فإن بكائياتهم على ما مضى تقف حائلًا أمام التقدم بما فيها من حزن ويأس. الأكثر خطورة أن فجوة من عدم الثقة تجرى بين شيوخ مصر وشبابها، وهى فى جانب منها فجوة حقيقية بحكم الفارق الكبير فى المعرفة التكنولوجية، التى تتيح بسهولة التواصل مع أيقونات العصر القديم، حيث نجد لكل النجوم مكانتهم مُقاسَة إحصائيًّا بالملايين للنغم ومئات الألوف للفكر. ولكن المساحة الكبرى بالطبيعة مفتوحة لكل ما هو جديد فى عالم اليوم من حيث اللغة والعلم والتكنولوجيا والفنون المختلفة، وكلها لم تعد متاحة فقط لقلة قليلة، وإنما لملايين من الشباب المصرى.

الخطورة الكبرى فى هذه الفجوة أن التواصل بين أجيال مصر لا يقع فقط فى بئر تركيز «الشباب» على التعامل والتفاعل مع «فيسبوك» الدائر طوال الوقت ساعة التقاء العائلة؛ وإنما من الممكن له أن ينجرف إلى التماسّ مع الجماعات المتطرفة والإرهابية، التى تريد لمصر حالة من الانحباس فى ماضٍ ولّى وراح، أو البقاء رهينة تقاليد لم يعد لها معنى فى العصر الحديث. بعض ما يجرى نتيجة البكائيات أنه يحرف بعيدًا عن المشروع الوطنى العام للتقدم، ويقع أسير عدد من القضايا المراد منها نتائج سياسية رجعية ومتخلفة. إثارة موضوع «الحجاب» وما سوف يتلوه عن «النقاب» ليست مجرد انتهاز فرصة حادثة قتل مروعة، وإنما تحولها من هذا الجوهر إلى جوهر آخر يأخذنا جميعًا إلى الساحات المظلمة من الماضى. هنا نعود مرة أخرى إلى التساؤل حول المساواة بين الرجل والمرأة مرة أخرى، ومثل هذا التساؤل يعيد كَرّة تالية من النظر فى «المواطنة»، التى هى الركن الأساسى للدولة الحديثة، والعلم الذى هو أساس المجتمع المتقدم. القضية بصراحة أكبر كثيرًا من حادثة قتل، إنها قضية التقدم فى بلادنا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بكائيات التغيير بكائيات التغيير



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt