توقيت القاهرة المحلي 21:55:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الديون والتقدم الإنساني!

  مصر اليوم -

الديون والتقدم الإنساني

بقلم: عبد المنعم سعيد

عندما عكف مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على إجراء استطلاعات الرأى العام قبل أكثر من ربع قرن تحت القيادة الرشيدة للدكتور جمال عبدالجواد ود. صبحى عسيلة كانت هناك مفاجآت ضد الكثير مما هو ذائع فى شبه التوافق العام على أن القطاع الخاص هو بالضرورة شرير، وأن التعامل مع صندوق النقد الدولى هو اقتراب من الإمبريالية العالمية الساعية لعودة الاستعمار. لم يكن أى من ذلك صحيحا لدى الرأى العام المصرى، فقد كان القطاع الخاص وازدهاره من الأمور الجيدة، وكذلك كان التعامل مع الصندوق الذى يساعد الشعوب النامية. ما كان يرفضه المصريون هو الاقتراض أو «السلف» الذى هو «تلف»، ويبدو أن ذلك كان راجعا إلى تراث دينى يرى فى الاقتراض شبهة ربا، وتراث تاريخى مزعج حينما قام به الخديو إسماعيل للاستمرار فى الحداثة المصرية التى بدأت مع الوالى محمد على، ومن ثم قام بالكثير من المشروعات العملاقة، فضلا عن وصول الجيش المصرى إلى أواسط أفريقيا. قروض إسماعيل باشا ظلت عالقة فى رقاب مصر والمصريين ومن ثقوبها تم الاحتلال الإنجليزى لمصر. فى الوقت الراهن فإن هناك الكثيرين داخل النخبة السياسية والفكرية المصرية يشعرون بالقلق على ما كونته مصر من دين خارجى تجاوز ١٦٠ مليار دولار، وبعضهم يتجاوز القلق إلى التساؤل عن أين ذهبت هذه الأموال وكأنهم لا يعرفون شيئا عما هو قائم فى مصر وتراه العيون والبصيرة؟.

الحقيقة، وصدق أو لا تصدق، أن الديون كانت من الأسباب الرئيسية فى التقدم البشرى الذى وصل بنا إلى ما وصلت إليه الإنسانية الآن من تقدم فى العمر واستمتاع بالحياة والتى باتت تقترب من المائة عام فى المجتمعات المتقدمة. البداية كانت فى القرن السادس عشر الذى هيمنت عليه أولا الإمبراطوريتان الإسبانية والبرتغالية وأدت إلى تقسيم العالم بينهما. وثانيا الصعود الكبير والسريع للإمبراطورية البريطانية بعد انتصارها على «الأرمادا» الإسبانية قرب نهاية القرن. النصر آنذاك لخص كثيرا أسبابا كان منها الفارق ما بين الكاثوليك والبروتستانت، واللاتينيين والأنجلو ساكسون، فضلا عن حكمة الملوك والأباطرة. ما غاب عن المعرفة أن «البنوك» كانت عاملا رئيسيا فى الانتصار البريطانى الذى أدى إلى قيام وازدهار الثورة الصناعية الأولى حتى وصلت إلى الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس. كانت جميع القوى الاستعمارية الأوروبية تجنى ثروات طائلة من المستعمرات كلها ذهب وفضة وأنواع من المعادن النادرة. هنا كان الفارق يجيب عن السؤال: ماذا فعلت هذه الدول بهذه الثروات الطائلة؟.

بينما كانت غالبية الإمبراطوريات الكبرى تنفق هذه الثروات على بناء القصور الزاهية والمتاحف والتيجان المرصعة بالأحجار الكريمة، كانت بريطانيا قد أحدثت ثورة كبيرة بقيام البنوك التى تجمع الفائض من العامة فتخلق ثروات كبرى يجرى إقراضها لآخرين يستطيعون بها بناء المصانع، وإنشاء المتاجر الكبرى، ويدعمون مراكز الفكر والاختراع. تجميع الثروة ثم إطلاقها مقابل فائدة كان يجعلها تستخدم عدة مرات وتزيد القيمة الحقيقية للثروة بما تنتجه وتستثمره. البنوك لم تكن الوسيلة الوحيدة للقيام بهذه المهمة التى غيرت مسار البشر، وإنما أضيف لها شركات التأمين التى تجمع الأموال فى شكل اشتراكات من أجل الصحة والعلاج، ومن أجل دعم الحياة بعد الإحالة إلى المعاش، أو لأغراض أخرى.

الشركات المساهمة باتت وسيلة ثالثة لتجميع «رأس المال» من خلال الأسهم التى يشتريها المواطنون قدر طاقتهم وتجميع أموال الشراء للقيام بنشاط اقتصادى محدد ومعلوم ويمكن مراجعته بحيث تعود الأرباح إلى أصحاب الأسهم الذين يمكنهم طرحها فى سوق البورصة والحصول على أموال سائلة فور الطرح.

دورة رأس المال هذه، ومدى سرعتها وحجمها، تمثل دفعة قوية للمجتمعات لكى تحقق ما لا تستطيع تحقيقه كلما اعتمد الفرد الواحد على نفسه فقط. المصريون عرفوا منذ زمن أن اليد الواحدة لا تصفق، ولذا قاموا باختراع «الجمعية» التى تجمع القليل من المال ثم تعيده مجمعا لكل مشارك مرة واحدة، فيقيم الزفاف أو يستعد للجنازة.

الآن فإن كفاءة وقدرة البنوك وشركات التأمين والبورصة على تجميع الثروة واستثمارها تجمع المدخرات القليلة فى جمع كبير ثم تقدمه دينا لمن يقدر على استثمار رأس المال. الديون هنا لا يوجد ما يعيبها، وأكبر دول العالم - الولايات المتحدة - هى أكثر دول العالم مديونية بمقدارها ٣٧ تريليون دولار، وبعدها بمسافة كبيرة تأتى اليابان وكافة دول العالم الصناعية. تركيا القريبة تجاوز حجم اقتراضها ٥٠٠ مليار دولار كانت ضرورية لبناء بنية أساسية تضاهى البنى الأساسية فى أوروبا، وإقامة صناعة تستفيد من الاستثمارات الأوروبية فى صناعات عالية القيمة. مصر ليست استثناء من القاعدة العامة، وديونها كانت للإنفاق على بناء البنية الأساسية، وإقامة الصناعة وتعزيز الزراعة والخدمات وبناء المدن والجامعات الحديثة. للأسف فإن كثيرين منا لا يدركون هذا المنطق بسبب الاعتقاد أن كل خطوة فى التقدم الإنسانى لابد لها أن تفرز نقودا تذهب إلى جيوب المواطنين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الديون والتقدم الإنساني الديون والتقدم الإنساني



GMT 21:53 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

بيع محتمل

GMT 21:51 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

حفلة أصالة

GMT 21:49 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

قبل الفواتير!

GMT 21:47 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

«السبلايز»..حين تتحول البهجة إلى عبء

GMT 21:42 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

كيف يتَّجه العالم في غياب اللون الرمادي؟

GMT 21:39 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

أيّها أكبر النكبات في تاريخ المشرق الحديث؟

GMT 21:38 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

حين قابل فوكوياما القذافي

GMT 21:36 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

مع الأصالة الدنيويّة للألعاب الرياضية

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt