توقيت القاهرة المحلي 20:46:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التفكير في المسألة السورية؟!

  مصر اليوم -

التفكير في المسألة السورية

بقلم: عبد المنعم سعيد

تاريخياً، دارت «المسألة السورية» حول مدى تماسك الدولة وقدرتها على إقامة نظام «وطني» يمكنه استيعاب كافة ألوان الطيف، ليس فقط السياسي، وإنما العقائدي والطائفي. ومنذ نجحت «هيئة تحرير الشام» في دخول دمشق وإطاحة نظام البعث المستبد، فإن الرهان بات على إمكان النجاح في إقامة الدولة الوطنية. والحقيقة أن المسألة أخذت أشكالاً مختلفة في مراحل زمنية متعددة كان مطروحاً فيها قضية الدولة وتماسكها واستقرارها. وكان جيمس روزناو هو الذي وضع القانون العام لحركة الدول والمجتمعات، في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بأنها سوف تتراوح ما بين «الاندماج والتفكيك»، وكان النموذج الأوروبي شاهداً على الاندماج والتكامل بين دول تحاربت على مدى التاريخ في ظل النظام الليبرالي الرأسمالي، وكان تفكيك الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا شاهداً على عجز القدرة على إدارة التنوع والتعددية في المجتمع والدولة. ولكن بعد مضي ربع قرن تقريباً على هذا المقترب، ومرور الفترة نفسها بعد إعلان فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ»، فإن المسألة الآن تبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بدأ مرحلة للتفكيك لم تكن متوقعة، وتصويت شعب القرم وأجزاء من أوكرانيا على الانضمام إلى روسيا أعاد أشكالاً للتوحيد لم يظن أحد أنها لا تزال قائمة.

في العالم العربي، كانت المدرسة القومية في الفكر السياسي تقوم على أن الصلات التي ترتبها العلاقة مع «الوطن العربي»، ينبغي لها أن تتفوق على كل الأبعاد بحيث تخلق رابطة بين «المواطنين» تتعدى الروابط الدينية والعرقية. ولما كان ذلك صعباً، فقد عمدت المدرسة القومية إلى دعم الروابط «القومية»، ومنها كان الاهتمام باللغة والثقافة والتاريخ «المشترك» والمصالح المشتركة. وفي هذه المدرسة، يصير التأكيد على «الخطر» المشترك ممارسة يومية، ويصبح في مقدمة هذه الأخطار السعي من قبل أنواع كثيرة من «الأعداء» لتفتيت الأمة. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن الفكر «القومي» إما أنه أنكر تماماً فكرة التمايزات العرقية والمذهبية، وإما أنه اعترف بها، ولكنه خلق آليات التنشئة السياسية؛ من تعليم وإعلام، وأدوات حزبية للقولبة السياسية، تقوم بتخريج القوميين المتحمسين.

المدهش أن نتيجة الفكر القومي كانت خلق حالات مضادة من الأفكار القومية لدى الأقليات، التي تجد نفسها لا تعبر عن ثقافتها وتقاليدها إلا في إطار دولة قومية لها هي الأخرى. وفي العالم العربي كان ذلك هو ما فعلته المدرسة القومية، ولسنوات طويلة كانت الإجابة عن سؤال حالة الأقليات في المنطقة واحدة، وهي أن كل الأحوال على ما يرام، بل إن المجيب سوف يرفض توصيف جماعة عرقية أو لغوية على أنها «أقلية»، فالجميع مواطنون متساوون، والجميع منصهرون في «سبيكة» واحدة.

المدرسة الاشتراكية اعتبرت القضية إما أنها مفتعلة تستخدمها الطبقات المُستغِلة من أجل الحفاظ على سيطرتها؛ وإما أنها قضية حقيقية ولكنها لا ينبغي لها أن تجب الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي تربط الكادحين ببعضهم. وببساطة فإن الفكر الاشتراكي اعتبر الرابطة الطبقية أقوى من كل الروابط التي لها علاقة مع هويات أخرى. وكان ما جرى في العالم العربي خلال الستينات في عدد من الدول العربية ربطت ما بين «الاشتراكية» و«القومية»، وأصبح تحقيق «العدالة» و«الوحدة» الطريق لصهر التنويعات المختلفة في دولة واحدة. وبعيداً عن الأفكار القومية والاشتراكية، فقد كانت الدولة العربية البيروقراطية المتولدة عنهما هي التي خلقت آليات للعنف والخوف قادرة على كبت التطلعات والتقاليد المختلفة. ولذلك فإنه حتى مع تراجع الفكر القومي، وانهيار الفكر الاشتراكي خاصة بعد زوال الاتحاد السوفياتي، فإن عملية القهر استمرت حتى مع الدول التي لم تعدّ الاشتراكية والقومية من المذاهب الفكرية المعبرة عنها.

كانت المدرسة الليبرالية هي التي قدمت في بلدان كثيرة من دول العالم حلاً لإشكالية التعدد العرقي والمذهبي والديني في دولة واحدة، من خلال مجموعة من الآليات السياسية. فهي من ناحية اعتمدت على الفرد بوصفه وحدة سياسية أولية، واستناداً إلى هذا الفرد صار هناك صوت واحد لكل إنسان يمارس به السياسة تعبيراً عن نفسه وليس عن القبيلة أو الجماعة. ومن الفردية انبثقت فكرة المواطنة التي تجعل جميع «المواطنين» شركاء في «وطن» واحد، على أساس من المساواة الكاملة أمام القانون، بغض النظر عن العرق أو الدين أو العقيدة أو اللون أو الجنس. فهل يمكن لسوريا أن تعيش هذا النهج الذي تبنته دول عربية أخرى لا تعرف الطائفية ولا الميليشيات المنبثقة عنها؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفكير في المسألة السورية التفكير في المسألة السورية



GMT 10:23 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

GMT 10:22 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

نعمة الإطفاء

GMT 10:20 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

موضع وموضوع: الرَّي والدة طهران

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

GMT 10:19 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

العالم في «كولوسيوم» روماني

GMT 10:18 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

فرصة إيران في النهوض الاقتصادي

GMT 10:16 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

GMT 10:15 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

من «عدم الانحياز» إلى «الانحياز»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt