بقلم: عبد المنعم سعيد
ليس من السهل فهم حالة معقدة مثل التى يعيشها الشرق الأوسط الآن، حيث يعيش 8% من سكان العالم، بينما عاشوا 25% من الصراعات العالمية. لم يحدث فى الإقليم ما جرى لأوروبا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو لآسيا بعد انتهاء الحرب الفيتنامية والكورية علاوة على الحرب العالمية الثانية. فى الحالتين فإن البناء والتعمير الذى عبر بسرعة إلى أراضى المتحاربين، حيث كانت فرنسا وألمانيا فى الحالة الأولي؛ واليابان والصين فى الحالة الثانية. الجميع فى أوروبا وآسيا بلغوا الكثير من النضج السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى خلق شغفا كبيرا بالسلام. وحتى عندما قامت روسيا بغزو أوكرانيا فإن الحرب ظلت محكومة بالدولتين. «القضية الفلسطينية» عكست عجزا كبيرا لحركة التحرر الوطنى الفلسطينية فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما فعلت حركات التحرر فى العالم بما فيها العربية؛ ولم يكن ذلك نتيجة غياب لمحاولات السلام بعد الحرب، وإنما لطغيان إسرائيل من ناحية، ولفشل دبلوماسى من ناحية أخرى. معظم محاولات السلام قامت على تدريجية يقصد منها بناء الثقة والتعايش بين الأطراف المتحاربة؛ ولكنها فى ذات الوقت باتت تعطى المعارضة الوقت لتدمير عملية السلام كلها.
الإطار العام للمفاوضات كان قرار مجلس الأمن 242 لمبادلة الأرض بالسلام وهو ما نجح فى الحالتين المصرية والأردنية؛ ولكنه لم ينجح فى الحالة الفلسطينية حيث كان الجوار الجغرافى يواجه اختلال توازن القوى بين الطرفين الإسرائيلى والفلسطيني؛ وهو مازاد اختلاله بعد اختطاف حماس قطاع غزة بعيدا عن السلطة الوطنية الفلسطينية، النخب السياسية العربية كانت متشبعة بالتركيز على الجغرافيا السياسية وهى التى تتفوق فيها إسرائيل عسكريا وتكنولوجيا؛ بينما تجنبت الجغرافيا الاقتصادية التى فيها تفوق عربى ديموغرافى واقتصادى. فى العموم كان تعريف التاريخ لدى العرب يجرى دائما فى اتجاه الماضي؛ بينما كان لدى إسرائيل يجرى فى اتجاه المستقبل. لم يكن لدى الشرق الأوسط نخبة لديها الحكمة التى لدى النخبة التى بنت الاتحاد الأوروبى.