توقيت القاهرة المحلي 20:37:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عودة الجغرافيا السياسية: حرب أوروبا

  مصر اليوم -

عودة الجغرافيا السياسية حرب أوروبا

بقلم - عبد المنعم سعيد

كُتاب العلاقات الدولية ركزوا منذ بداية القرن العشرين على أهمية الأوضاع «الجيوسياسية» بين الدول، وبينما كانت البداية التوازن ما بين اليابسة والماء في التسليح وحركة الجيوش، فإن مُضي القرن ودخول تكنولوجيات جديدة قدمت السيارات والمدرعات والطائرات إلى ميادين القتال، خلقا أدواراً جديدة لليابسة كحاضنة لتقدم الجيوش وتراجعها الاستراتيجي، والماء بات حاضناً للسفن والغواصات التي لديها القدرة على نقل أعداد كبيرة من الجنود؛ وتحتوي على أسباب للردع، مع حمل صواريخ نووية تصعب معرفة مواقعها في أعماق المحيطات. «التاريخ» بين الأمم مثَّل دائماً نظرة إلى الجغرافيا، في تلازمها مع الزمن، طفرات وتراكمات كمية تفرز مع الزمان تغييرات نوعية.

الحالة الروسية الأوكرانية فرضت جواراً جغرافياً وتاريخياً بين روسيا وأوكرانيا؛ سواء في مرحلة القياصرة الروس أو في عهد البلاشفة، وكان لها تأثير مهم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وبنظرة على الخرائط نجد أن أوكرانيا كانت دائماً واقعة داخل أحضان روسيا، وزاد على هذا الوضع ما قامت به موسكو من ضم إقليم القرم عام 2014 الذي ضمه ستالين إلى أوكرانيا في 1954، وبات جزءاً من المنظومة السوفياتية. كانت أوكرانيا واحدة من 3 جمهوريات سوفياتية (مع روسيا وبيلاروسيا) تمثل الاتحاد السوفياتي في المنظمات الدولية، وكان لأوكرانيا فضائل بوصفها جزءاً معتبراً من القاعدة الزراعية والصناعية للاتحاد السوفياتي، فضلاً على أنها كان لها نصيب وافر من الصناعات العسكرية السوفياتية؛ وخصوصاً النووية منها.

انهيار الاتحاد السوفياتي في ديسمبر (كانون الأول) 1991، وقيام روسيا بإعلان استقلالها عن الاتحاد السوفياتي أعطيا الفرصة لأربع عشرة جمهورية أخرى للاستقلال، ومن بينها أوكرانيا. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين جرى التغيير القيادي في روسيا الاتحادية، حينما تولى فلاديمير بوتين السلطة، مع توجه معاكس حول ما حصلت عليه روسيا ذات التاريخ العريق في القارة الأوروبية، لكي تصبحَ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي دولة ضعيفة ومفككة وتابعة، وقت كانت تحت قيادة يلتسين.

التغير داخل روسيا نحو التماسك، وقمع التمرد في الشيشان، والتنمية الاقتصادية، دفع كل ذلك روسيا مرة أخرى إلى استعادة أجزاء من أقاليمها السابقة، فاستولت على إقليمَي جنوب أوسيتيا وأبخازيا من جورجيا عام 2008، والذي أدى إلى طرد روسيا الاتحادية من مجموعة الثمانية؛ وعلل إقليم القرم من أوكرانيا، والذي أدى إلى فرض عقوبات اقتصادية من حلف الأطلنطي على روسيا. ولم تتوانَ موسكو بعد ذلك عن المطالبة بضم مناطق إقليم الدونباس الذي خرجت منه فيما بعد جمهوريتا دونيتسك الشعبية ولوغانسك الشعبية أيضاً.

أوكرانيا في ذاتها كانت مترددة في مدى تمسكها بالسلاح النووي، فضلاً على تعرضها لفترات من التغيرات السياسية السريعة، جعلت السير في هذا الاتجاه يعني أولاً مخالفة كبيرة لعملية ترتيب الأوضاع الخاصة بـالجمهوريات السوفياتية السابقة، والتي جعلت روسيا الاتحادية هي الوارثة للاتحاد السوفياتي السابق، بما يملك من أسلحة نووية. وثانياً أن رفض ذلك سوف يعني عداءً مستحكماً بين روسيا وأوكرانيا؛ إذ لن تسمح موسكو بالتجاور مع دولة نووية أخرى. وثالثاً أن الدول الغربية، وحلف الأطلنطي، كان لديهم وجهة النظر التي تمانع في وجود أعضاء جدد في النادي النووي والعالمي، ومن ثم ضربت المثل بدولتي أوكرانيا وجنوب أفريقيا، بحيث تخلت كلتاهما عن القدرات النووية. البديل للسلاح النووي كان اللحاق بحلف الأطلنطي الذي كان متردداً هو أيضاً؛ حيث كانت هناك مدرستان تؤثران في السياسة الخارجية لحلف الأطلنطي؛ أولاهما المدرسة المثالية الليبرالية، التي وجدت في لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي «نهاية التاريخ» الذي تقيم فيه دول العالم داخل الأفكار والتطبيقات الليبرالية والديمقراطية في السياسة والاقتصاد. وثانيهما المدرسة الواقعية التي تنظر في الجغرافيا والتاريخ، وتعرف منه أن روسيا –على الرغم من انهيارها- لها ثقافة الدول الكبرى ذات التاريخ والحضارة، وما يضاف إليها من ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم كله. المدرسة الأولى رأت أن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي ضرورة للضغط على روسيا ودفعها نحو الوجود داخل المعسكر الغربي؛ أما المدرسة الثانية فوجدت أن سعياً في هذا السبيل سوف يضع ضغطاً كافياً على روسيا لإشعال الحرب.

وبينما كان ضم روسيا للقرم رسالة تحذير مما سوف يأتي من رغبات انضمام أوكرانيا لحلف الأطلنطي؛ فإنه كان أيضاً رسالة تهديد تحتم على المدرسة المثالية الليبرالية أن تسرع بضم أوكرانيا، وهو الذي كان شائعاً إبان إدارة بايدن الأميركية التي قسمت العالم إلى قسمين: «الديمقراطيين والسلطويين». كانت الدوافع تتراكم، والجوار الجغرافي مغرياً بما فيه من اختلال حاد في توازن القوى، وكانت الحرب -كما كانت دائماً- هي الحل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عودة الجغرافيا السياسية حرب أوروبا عودة الجغرافيا السياسية حرب أوروبا



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:05 2025 الإثنين ,18 آب / أغسطس

الجينز دليل لإطلالة كاملة تناسب كل المواسم

GMT 02:47 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سامسونغ تكشف عن حاسوبها الجديد Galaxy Chromebook Plus

GMT 06:13 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

شيفروليه سبارك الجديدة بتصميم رياضي وقدرات كهربائية

GMT 08:09 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 05:08 2024 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

مرشح رئاسي معتدل ينتقد سياسة الحجاب في إيران

GMT 20:04 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

تعرف على عاصمة الشوكولاتة في العالم

GMT 21:50 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الفيديو كليب صورة افتراضية

GMT 05:23 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

«أبل» تستعد لإطلاق أرخص «ماك بوك» في تاريخها

GMT 09:27 2020 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الجبلاية تحدد موعداً مبدئياً لانطلاق الدوري الممتاز

GMT 09:14 2020 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الحكومة المصرية تعلن مواعيد غلق المطاعم والمقاهي والمحال

GMT 20:39 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشر الأسهم اليابانية يغلق على ارتفاع

GMT 16:40 2020 الأحد ,12 تموز / يوليو

الأهلي يطلب رفع الحصانة عن مرتضى منصور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt