توقيت القاهرة المحلي 15:32:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تخيل العام الجديد

  مصر اليوم -

تخيل العام الجديد

بقلم:مشاري الذايدي

أدعي أن أكبر عجز في منطقتنا ليس عجز الموازنة العامة أو عجزاً في الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل إن العجز الأكبر هو عجز في الخيال، وقدرة الناس على تخيل عالم أفضل يبدأ من الفرد وينتهي بالوطن، فالعالم ينفرط أمامنا بقدر خيالنا، فمن يستطيع أن يتخيل عالمه يحدث أمامه. ولكن للقدرة على الخيال متطلبات وقواعد.
أول متطلبات الخيال الواعد هي القدرة على الخروج من السجون، وبالسجون هنا أعني سجون العقل ومخاوفه وعثراته. وهنا سأستغل جزءاً من المقال لأحكي قصتين ذواتي مغزى لتوضيح فكرة سجن العقل. القصة الأولى تقول بأن سجاناً قال للسجين سأترك لك فتحة في الزنزانة وهذا قدوم ربما سيساعدك في البحث عنها، إذا ما وجدتها فأنت حر طليق لا غبار عليك، وإن لم تجدها فليس من بد إلا أن تقضي مدة العقوبة داخل هذه الزنزانة الضيقة. وقضى السجين ليلته يحفر في حيطان الزنزانة بحثاً عن المَخرج حتى خارت قواه. ولما رآه السجان في الصباح مكوّماً في ركن من الزنزانة وقد أضناه التعب طلب منه الوقوف، صاح السجين بغضب قائلاً: ما تلك المزحة السمجة، فلو كنت تريد عقابي كان من الأفضل أن تقول لي إن عليَّ أن أحفر طوال الليل، فردّ السجان: لم تكن نكتة سمجة، فقد تركت لك الباب مفتوحاً! ولكنّ عقل السجين لا يستطيع أن يتخيل أنه من الممكن أن يكون الباب مفتوحاً.
القصة الثانية هي ملخص لقصة قصيرة كتبها الروائي الأميركي ما بعد الحداثي دون داليللو بعنوان «العدَّاء» the) runner)، وملخصها أن رجلاً قد تعود أن يعدو من بيته حتى حدود الحديقة العامة، وكان يمارس هوايته في الجري قبل غروب الشمس، ومتى ما وصل عند الحديقة العامة رأى لافتة مكتوباً عليها «الحديقة مغلقة بعد غروب الشمس»، ولم يكن على الحديقة أسوار أو بوابات إلا هذه اللافتة المكتوبة، كلما وصل عندها العدّاء استدار وعاد من حيث أتى ولم يجرؤ على الجري في مساحة الحديقة الشاسعة، فقط لأن الشمس قد غربت واللافتة تقول إن الحديقة مغلقة، لم تكن هناك أسوار فيزيائية على الأرض، ولكن الأسوار كانت عالية داخل رأس العدّاء. فلكي يخطو أحدنا خطوة غير مألوفة، فإن ذلك يتطلب تحطيم أسوار زنازين العقل التي طُبعت فينا بحكم البيئة أو الأسرة أو السرديات المهيمنة التي تجعل مجرد التفكير في اتخاذ خطوة واحدة إلى الأمام أمراً غير ممكن.
ضيق الخيال وضيق الأفق هو العجز الأكبر الذي يتملك من عقولنا المفردة وعقولنا الجمعية. و«.. ما ضاقت بلاد بأهلها».. ولكن عقول الناس تضيق دوماً بحكم العادة وحكم الخوف.
الخوف هو واحدة من فرامل الخيال التي نضغط عليها لا إرادياً، وهذا ما يجعل خيالنا محدوداً أو في أحسن الحالات مهزوزاً.
الخيال أمر مختلف عن التهيؤات أو الخلط الذهني. الخيال أمر فيه وضوح جليّ، تعرف أنك خارج نطاق الخيال، وأنك دخلت عالم التهيؤات والخلط الذهني عندما ترى السراب ماءً. الخيال يفرّق بوضوح بين الماء والسراب.
إن أهل المنطقة مطالبون بتحطيم سجون العقل، وبالابتعاد عن الخلط الذهني الذي يجعل من السراب ماءً، من أجل مخيال أوسع يفتح أمامنا آفاقاً أوسع في بناء تصورات للمستقبل، تصورات وخيالات تجعل من المستحيل ممكناً. في السياسة يكرر العرب عبارة مكرَّرة أساسها أن السياسة هي فن الممكن، لكن الحقيقة هي أن السياسة هي فن الـ«مش ممكن» بمعنى القدرة على تخيل ما ليس ممكناً وتحويله إلى الممكن. جعل الله عامكم الجديد خصيبَ الخيال على مستوى الأفراد والأمم، وكل عام وأنتم بخير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تخيل العام الجديد تخيل العام الجديد



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt