توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«غلاسكو»... آيديولوجيا إيكولوجية شمولية

  مصر اليوم -

«غلاسكو» آيديولوجيا إيكولوجية شمولية

بقلم : إميل أمين

في مؤلفه الشهير «غداً من سيحكم العالم؟»، يتساءل الأكاديمي والمفكر الفرنسي الشهير جاك آتالي، عما سيؤول إليه حال العالم بعد حالة البلبلة والفوضى التي تسبق الانهيار العالمي، وهل ستظهر حكومة عالمية كونية تسوس شؤون البشر؟
آتالي يتوقع أننا سنشهد عودة الأمم والديكتاتوريات المنغلقة على أقاليمها؛ بادعاء حماية ثقافتها أو الطموح لحكم العالم، ومع هذا النوع من الطموح تظهر نوعيتان من الآيديولوجيات ذات احتمالية شمولية؛ آيديولوجيا البيئة، وآيديولوجيا التدين.
هل كان مؤتمر «غلاسكو»، أو «كوب 26» مقدمة لآيديولوجيا إيكولوجية شمولية من الدول الصناعية الكبرى، وأداة للسيطرة على مقدرات العالم النامي بنوع خاص؟
الحقيقة أن مسوّدة البيان الختامي التي طالعناها، والتي - غالب الظن - لن تتغير صورتها النهائية بشكل كبير، تفتح الباب للأسئلة بأكثر مما تروي الغليل بالإجابات، بل أكثر من ذلك، تجعل اليقين بالماورائيات أخطر بكثير من حديث الموجودات والمناقشات.
يكفي المرء أن يطالع ما ورد بشأن اتفاق بين الصين والولايات المتحدة لتعزيز التعاون المناخي، ذلك أن الصيغة تبدو كارثية، وتدعو للشك في أن قصة المؤتمر برمتها ليست إلا مدخلاً لتقسيم النفوذ العالمي بينهما من منطلق آيديولوجي شمولي.
فات الذين سطروا البيان أن الصين، وفي الأيام الأولى من أعمال قمة «غلاسكو»، زادت، وبشكل علني ورسمي، استخدامها من الكربون بنسبة تصل إلى 25 في المائة من معدل العام الماضي، ما يعني أن أحاديث مواجهة ومجابهة الاحتباس الحراري ليست سوى حرث في الماء، لا سيما أن لوبي الفحم الكربوني العامل في الولايات المتحدة لا يألو جهداً في السير عكس التيار، مستخدماً أدواته التقليدية في التحكُّم في أصوات أعضاء الكونغرس من شيوخ ونواب، عبر منح أو منع التبرعات السخية، التي من دونها لا طريق إلى إعادة تمويل حملاتهم وانتخابهم.
خلل ما بدا واضحاً في ثنايا «غلاسكو»، حيث رصد المرء أن علماء المناخ جاءوا في الصف الثاني ضمن وفود بلادهم، فيما السياسيون والمصرفيون تقدموا الصفوف، الأمر الذي جعل الأصوات المشككة تتعالى متسائلة عما إذا كان القصد هو استنقاذ الكرة الأرضية من الاحتباس الحراري، أم بالفعل محاولة رسم خريطة اقتصادية لعالم ما بعد «بريتون وودز»، بآلياته التي تقادمت، وفي مقدمها «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي».
المتابعة المعمقة لحوارات «غلاسكو» تجعل المرء يعيد قراءة مشهد الاحتباس الحراري، وهل الإنسانية بالمطلق السبب وراءه، أم أن الجيوفيزيائي الصربي ميلوتين ميلانكوفيتش (1879 - 1958) كان على حق، حين أشار قبل سبعة عقود تقريباً إلى أن ارتفاع حرارة الأرض سببه تغير مدار الأرض، وانحراف ميلها، وتقدم الاعتدالين، وبقية التفسيرات الفيزيائية الخاصة بجيولوجيا الهندسة الشمسية.
بدا للمرء وكأن الهدف الرئيسي من القمة قطع الطريق على الطاقة الأحفورية، رغم أن جميع البيانات وخاصة بيانات «أوبك» تؤكد استمرار الطلب وتزايده حتى 2040، ومن غير أن تقدم جميع أحاديث الطاقة الأخرى بديلاً مقبولاً أو معقولاً، الأمر الذي يطرح قضية التلاعب بأسواق الطاقة على الصعيد العالمي، ومن يريد لسوقها القديمة التراجع إلى حد الاختباء ثم الاختفاء، ومن ثم ظهور بدائل كثر الحديث عنها، وفشلت في مواجهة تبعات جائحة «كوفيد - 19»، الأمر الذي تسبب في موجة تضخم وارتفاع أسعار قائمة ومقبلة.
استهداف الطاقة في صورتها الحالية أمر غير مبرر عقلاً أو عدلاً، وهو أمر تصدت له دول عدة، في قمتها ألمانيا، تلك التي رفضت بيان إنهاء بيع السيارات العاملة بالمحروقات، الذي أعلنت عنه بعض من الدول وشركات كبرى لتصنيع السيارات، وعدد واضح من المستثمرين، الذين يعتزمون تحديد موعد لإنهاء بيع السيارات التي تدار بالبنزين والديزل، وتصنيع مركبات خالية من الانبعاثات عام 2040.
الموقف الألماني المتقدم يقطع بأن هناك خللاً ما في توجهات الكبار الذين يسعون علناً لتبريد الكوكب، ومن غير أدنى توازن بين متطلبات التنمية المستدامة لكثير من الأمم والشعوب حول قارات الأرض الست.
أحسن كثيراً جداً وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، حين أشار في كلمته التي ألقاها خلال فعاليات المؤتمر، إلى أن الجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ يجب ألا تقوض أمن الطاقة العالمي، أو تتجنب أي مصدر معين للطاقة، وأنه من الحتمي أن نقر بتنوع الحلول المناخية وأهمية خفض الانبعاثات، حسب المنصوص عليه في «اتفاق باريس»، من دون أي انحياز، مع أو ضد أي مصدر للطاقة.
ولعل غياب الرئيسين الروسي والصيني عن فعاليات «غلاسكو»، يلفت الانتباه إلى رفض مبطن للتوجهات الغربية المغالى فيها تجاه مسارات ومساقات الطاقة العالمية، لا سيما أن الذين يرفعون اللافتات الفاقعة، ويصيحون بأصوات زاعقة، ويذرفون العبرات الثخينة على الراحل، كوكب الأرض، هم الذين، وعلى جانب آخر، يتسارعون في سباق أقل ما يوصف بالجنون تجاه الإحياء النووي، وتتفتق أذهانهم عن عالم الصواريخ المجنحة، والغواصات الكهرومغناطيسية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يتلاعبون بمقدّرات الصناديق السيادية للنفط، التي تتجاوز بضعة تريليونات من الدولارات، ودفعها في دروب صناعات طاقوية أخرى، إن جاز التعبير.
الازدواجية الأخلاقية المعتادة من الدوائر الغربية تابعها العالم النامي، من خلال الإشارة في البيان الختامي إلى الحاجة لتخصيص 100 مليار دولار سنوياً للمعذبين في الأرض، وهو التعهُّد عينه الذي صدر منذ عشر سنوات ولم يبارح موضع وموقع الكلام، فيما مسودة «غلاسكو» لم تحتوِ على أي تفاصيل، وغالب الأمر لن تحتوي.
الخلاصة... الكبار في «غلاسكو» ذهبوا لتأمين مصالحهم وتغيير شكل العالم والهيمنة عليه من خلال أدلجة إيكولوجية شمولية... مرحباً بكم في عالم توتاليتاري معاصر تحت غطاء التدهور المناخي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«غلاسكو» آيديولوجيا إيكولوجية شمولية «غلاسكو» آيديولوجيا إيكولوجية شمولية



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt