توقيت القاهرة المحلي 02:53:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأصوليّة الهندوسيّة وإرث غاندي السلمي

  مصر اليوم -

الأصوليّة الهندوسيّة وإرث غاندي السلمي

بقلم : إميل أمين

ما الذي يحدث في الهند بلد المائة مذهب ديني وطائفي وأكثر، دولة غاندي التي عُرِفت بالتسامح والتصالح وقبول الآخر مهما اختلف في التوجه الإيماني والوجداني؟
خلال الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شهدت الهند ما لم يكن أحد يتوقّعه، فقد طالب راهب هندوسي بحمل السلاح وقتل جميع المسلمين، في تحريض واضح وفاضح على سلوك العنف كطريق للحياة في دولة كانت مناراً للديمقراطية حتّى وقت قريب.
ففي كلمة ألقاها خلال مهرجان ديني للهندوس بمنطقة «هاريدوار» بولاية «أوتاراخند»، ارتفعت مجموعة دعوات تحضّ على الإبادة الجماعية للمسلمين وممارسة العنف ضدهم.
كلمات الراهب الذي اعتلى المنصة تصيب الجميع بالصدمة؛ إذ قال في خطابه الموجّه للجماهير: «ليس لدينا خيار، السلطة والمواطنون والسياسيون يجب أن يخرجوا بالأسلحة ويبدأوا في قتل المسلمين مثل ميانمار».
في الوقت نفسه كان الهندوس أنفسهم، أو لنكن أكثر تدقيقاً، فريقاً أصوليّاً منهم يوجه لكماته وكلماته القاتلة للمسيحيين الهنود، وهذا ما رصدته صحيفة «نيويورك تايمز» في قراءة أخيرة لها.
هل نحن بالفعل أمام أوضاع تفقد فيها الديمقراطية الهنديّة ما كان لها من ألق وصيت كبيرين طوال نحو سبعة عقود ونيف؟
يُخشَى أن يكون ذلك كذلك، وهو ما أشارت إليه الصحافيّة ياسمين سرحان في تقرير لها نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية ذائعة الصيت، حول تدهور الديمقراطية هناك، وبخاصة تحت حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وتستعرض الكاتبة هذا التدهور من خلال تتبّع وضع الصحافية الهندية رنا أيوب، التي تضيِّق عليها السلطات الهندية تضييقاً كبيراً يصل إلى تشويه سمعتها ونشر بياناتها الشخصية عبر الإنترنت لتخويفها.
يمكن للمرء أن يستطرد كثيراً جدّاً في سرد الأحداث التي تعرَّض لها المسلمون والمسيحيون في الهند خلال الأشهر القليلة الماضية. والمثير أن السلطات الهندية لم تتخذ ما يكفي من إجراءات لردع الفاشيين الذين يقفون وراء تلك المذابح والحرائق التي لا تليق بالإرث السلمي للهند العظيمة التي خَلَّفها المهاتما غاندي من ورائه.
ما الذي جرى على وجه التحديد لتتحوّل الهند من إرثها السلمي للتعايش الواحد إلى هذا الوضع؟ ولا ينسى المرء في تساؤله أن الهنود في الفترة ما بين 2002 و2007 كانوا قد اختاروا رئيساً مسلماً هو المهندس أبو بكر زين العابدين عبد الكلام.
الثابت أن العلمانية كانت هي حائط الصدّ الذي جَنَّبَ الهند حالة التشظّي الطائفيّ، وإعادة إطلاق سيرة الهويّات القَبَليّة، كما أنّه من المعروف أنّ الدستور الهندي ينصّ على أنّ الهند «دولة علمانيّة»، غير أنّ الأحزاب السياسيّة في الآونة الأخيرة دأبتْ على العزف على الأوتار الدينيّة والطائفيّة، واعتبرتْها أدوات استقطاب سياسي ومعياراً رئيسياً لاختيار المرشَّحين، والتقرب كذلك من الناخبين.
تبدو الهند بدورها، كما الكثير من البقاع والأصقاع حول العالم، ضحيّة لصعود القوميّات وارتفاع وتيرة الشعبويّات، الأمر الذي مضى بالهند في طريق التزمّت الآيديولوجي والدوغمائيّات المكتوبة، عوضاً عن رحابة التلاقي المعرفي والإنساني.. هي حالة نراها في أوروبا وأميركا، وحتى في عالمنا العربي.
هل الهند في حاجة إلى تقليب أوراق غاندي مرة أخرى في حاضرات أيّامنا، علّها تخرج من أزمتها المعاصرة، والتي يمكن أن تتفاقم في روحها الداخليّة، الأمر الذي يمكن أن يقودها في طريق العتمة مرّة أخرى، وهي التي تحرَّرت منه عبر سلميّة غاندي وبعيداً عن أي أفعال عنف أو قسوة، اضطهاد أو صدام؟
لم يكن غاندي، الهندوسي الديانة، بعيداً عن بقيّة الأديان وبخاصّة التوحيديّة منها، إذ يقول عن الفترة التي أمضاها في أثناء سجنه: «قرأتُ في السجن الكثير من الكتب لأول مرّة، كنت في العادة أبدأ في الصباح بقراءة الجيتا، وأخصّ منتصف النهار لقراءة القرآن، وفي المساء أقرأ الكتاب المقدّس مع أحد الصينيين المسيحيين».
ظلّ غاندي يتابع البحث في كلّ ما يقرأه، ويتناول الأديان جميعاً ويدرس تعاليمها ومبادئها، وهو النهج الذي درج عليه منذ نشأته وتبعاً لتقاليد أسرته.
أعطى غاندي في حياته أعظم الأمثلة للتسامح والصفح والغفران، فعلى سبيل المثال حينما اعتدى عليه أحد المسلمين المتشدّدين في سنة 1908. رفض تقديم المعتدي إلى المحكمة، وفي الوقت نفسه الذي وقع فيه الاعتداء عليه حَذَّرَ أنصاره من اتّخاذ أي خطوة ضدّ المعتدي، وهو يرقد دامي الجرح بقوله: «إن الرجل لم يكن يدري ما هو صانع؛ فقد ظنّ أنّي مخطئ فيما أصنع، وقد حاول إصلاح ذلك بالطريقة الوحيدة التي يعرفها، ولذلك أطلب ألّا يُتَّخَذ أي إجراء ضدّه، وإني أصدّقه وسأُحبّه وأكتسبه إلى صفّي بالحب. ماذا كانت نتيجة تصرّف غاندي؟
الشاهد أنه في السنة التالية أرسل هذا المعتدي إلى غاندي رسالة يؤكّد فيها له مشاركته الوجدانية واحترامه العميق، وتعهد أنه سيبذل أقصى جهده لانتصار أفكار غاندي رجل السلام ورسول المحبّة.
على الهندوس اليوم أن يتأمّلوا اليوم سيرة ومسيرة غاندي الذي اعتقد دوماً وآمن أبداً بأنّ الحب هو السلاح الوحيد الذي يُقاوَم به الشرّ، وقد هوجم واعتُدِي عليه من الغوغاء مرّات عدّة، وكاد يقضي نحبه في إحدى هذه المرات، ولكنّه لم يكن ليغضب على المعتدين. وقد سُجِنَ أربع مرّات، ولم يحنق يوماً على سَجّانيه، ولا يبدي أي لون من ألوان الامتعاض أو الكراهية، بل كان يوصي زملاءه من المسجونين بألا يعتبروا حرّاس السجن أعداء لهم، بل ينظروا إليهم كأنّهم إخوة، ويقول: «إن حسن معاملتنا لحرّاس السجن ينتزع من نفوسهم سوء الظنّ والصرامة».
في رسالة بعث بها أديب روسيا الكبير ليو تولستوي إلى تلميذه غاندي عام 1909، حين كان الأخير يدرس في لندن، يصف ضمير روسيا حال العالم وقتها بأنه «معركة بين اللين والقسوة، وبين الوداعة والحب، ضدّ الكبرياء والعنف». هل يمتدّ المشهد إلى حال عالمنا المعاصر حيث القوّة الخشنة هي صاحبة الصوت الأعلى، فيما أصحاب القوة الناعمة والودعاء لا يرثون الأرض؟
الهند في كل الأحوال أمام اختبار حيوي ومصيريّ، وليس أنفع أو أرفع لها من أن تعيد قراءة سيرة غاندي اليوم وغداً وإلى ما شاء الله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأصوليّة الهندوسيّة وإرث غاندي السلمي الأصوليّة الهندوسيّة وإرث غاندي السلمي



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt